2025/12/11

زحام الفراغ

والناسُ تَعدو في الطريق،
والسطحُ يضجُّ بالبريق،
والأرضُ تعجُّ.. تزدحم.
والسماءُ تدنو، ترقبُ من بعيد،
تنتظرُ منا أن نُبادِلها النظر.

ونحنُ؟..
غارقون في الصور،
والداخلُ فارغ!
نهربُ.. نهرع.. إلى أين؟
لا نجيب..
وكيف نردُّ.. ونحن نجهلُ المستقر؟

النفسُ تغفو،
والضميرُ في سباتهِ لا يستفيق،
والهوى.. ممسكٌ بزمامِ الطريق.
والروح؟
تنتظر.. تجلسُ -وحيدةً- على قارعةِ العمر، يمرُّ بها الجميعُ.. ولا أحدَ يحملُها معه.

العينُ ترى، ولا حقيقةَ تُرَى.
والفكرُ مُنقاد..
نحنُ لا نريدُ أن نُفكّر، بل -في الحقيقة- نخافُ أن نُفكّر.
نرتعبُ من الصحوة.. فنقتاتُ من فُتاتِ مَن سلف.
والعقلُ في شتات.

الأسوارُ شائكة،
والمعاني البِكرُ مُحاطةٌ بنارٍ.. فلا نقترب.
نتبع، ونمضي.

والسماءُ ما تزالُ تسترقُ النظر: متى يا ناسُ تصفو؟ متى تعلو أرواحكم؟

لكننا..
نُسمّرُ أعيننا فيما تحتنا،
نتجاهل
نتحاشى..
أن ننظرَ فوقنا...

المثالية

 ما هي المثالية؟ ولماذا نذهب إليها؟

هل هي حقيقة نبلغها، أم مجرد ثوب نحاول ارتداءه لنخفي ما لا نحبّه في أنفسنا؟
لماذا تبدو المثالية مرتبطة بالتمثيل؟ هل لأنها تشبه محاولة ادّعاء شيء لا نملكه، أو لعب دور لم يُكتب لنا؟
أم لأننا، من فرط خوفنا من الخطأ، نبحث عن صورة لا تشوبها شائبة، فنلوّن الحياة بلونين: أبيض خالص، وأسود مطلق…
ونلغي كل التدرجات التي تسكن بينهما؟

ربما ليست المثالية -دائما- قيمةً أخلاقية خالصة، بل آلية حذر صاغها الإنسان حين اكتشف هشاشته.
حين رأى أن الخطأ قد يجرّ خطأً آخر، وأن الانزلاق قد يصبح سقوطًا، قرر أن يرفع سقف
المطالبة إلى أقصاه… لعلّ القسوة على نفسه تحميه من نفسه.

لكن لماذا كل هذا الحذر؟ هل لأننا نخشى أن نُرى على حقيقتنا، أو أن نُخطئ أمام أعين الآخرين؟
أم لأننا نريد ولو سرًا، وربما بلا وعي أن نجلس في مرتبة أعلى،
في درجة أخلاقية تمنحنا شعورًا بالتفوق؟

المثالية تمنحنا وهماً بالتفوق الأخلاقي، وتضعنا في برج عاجي ننظر منه للآخرين بشفقة أو حكم، وكأننا جبلنا من طينة غير طينتهم. إنها حيلة النفس للهروب من واقع لا يرضينا، إلى خيال
مفصل على مقاس غرورنا.

لكنها ليست مجرد تمثيل… إنها محاولة ذكية للهروب من
أنفسنا، من هشاشتنا، من مواجهة الخطأ والانكسار.

ويبقى السؤال الأهم: فلماذا لم يطلب الله من الإنسان أن يكون مثاليا؟
هل لأنه يعرف ضعفنا؟
نعم…
ولكن ربما هناك وجه آخر للحقيقة.

لم يطلبها الله كي لا نغرق في القنوط.

لو كان المطلوب منا هي المثالية ، لكان الخطأ الأول سببًا كافيًا لفقدان الأمل المطلق، ولأصبحنا أسرى الإحساس الدائم بالفشل. لكن الله أبعدها عنا رحمةً بنا من اليأس، فما دمنا لسنا مطالبين بالمعصومية، فإن كل خطأ يصبح فرصة للعودة، لا سببًا للقنوط الذي يقطع الرجاء.

ربما أبعدنا الله عن المثالية كي لا ننشغل بالصورة: كيف نظهر،
وكيف يرانا الناس، وأي لقب نحمله، وأي درجة أخلاقية ندّعيها.

ربما أبعدها عنا كي نتجاوز القشرة، ونتوجه إلى جوهرنا. كي لا نختزل أنفسنا تحت الأوصاف والمسميات، بل ننتبه إلى ما هو
أبقى وأصدق: الروح.

الروح التي لم تُكلَّف أن لا تخطئ… بل كُلِّفت أن تعود.
الضمير الذي لا يُطلب منه أن يكون مثاليًا… بل أن يبقى حيًّا، نقيًا، يقظًا.
النفس التي لا تُلام لأنها ضعيفة… بل تلوم نفسها لتصلح منها.

الغاية إذن ليست في أن تكون مثاليا. أو ألا تخطأ
الغاية هي إدارة النقص، والاعتراف بالبشريّة
. المطلوب هو تلك الحركة الدائبة: أن تخطئ فتتألم، وتتألم فتدرك، وتدرك فتصلح…ولا تقنط…
والأهم مع كل خطأ ترى حقيقتك فلا تغتر…

2025/12/10

بخار

رأتْ ما يُشبهها في الفراغ، ما لامسَ وترًا خفيًا في جوهرها
 فأرادت العبور إليه.. ولكن كيف؟
والأبوابُ موصدة، والجدرانُ صمّاء.

ثم..
 تبدأ رحلة الغليان.
تعلو الحرارة، يضيقُ الحيّز، وتغدو القسوةُ وقوداً كافيًا للتحول.
تفور.. تضطرب.. تتأجج.
ليس الغضبُ دافعها، بل فزعٌ من البقاء يتكاثر في الأعماق،
وسؤالٌ يتردد: كيف الخلاص والمنافذ مسدودة؟

ولأن النيةَ تسبقُ الفعل دائمًا، تلمعُ الفكرة: الخلاص في التلاشي.
ماذا لو استعارت ملامحَ ما رأته هناك؟
 ماذا لو تخلّت عن شكلها القديم؟
تقرر -بدهاءِ المضطر- أن تتحرر من ثقلها.
تتفكك روابطها..

الخوف يشدّها للخلف، والمستقبل مجهول، لكن الحاضر أضيق من أن يُحتمل.
تتشبث ذراتُ الماء ببعضها رعباً من الفراق، ترفض الانفصال..
 لكنها تُفلتُ أخيرًا.
تصعد.. تنجذب نحو الهواء الذي ألهمها،
وكأن قوة خفية -لعلها الحب- تسحبها من قاع الوعاء إلى رحابة السماء.

تطير.. لا شيء يحدّها،
لا إناءَ يحويها.
تمتزج بشيء أكبر منها، تندمج. تغدو هي والهواء كيانًا واحدًا، لا يمكن الفصل بينهما.

معجزةُ ؟
وأيّ يدٍ خفية أعادت تشكيلها؟
لا يهم..
هنا يذوب الحاجز، وتتحول القطرة السجينة من ماء يُرتشف بقرار، إلى نَفَسٍ حرّ يمر في الهواء
.
خسرت حدودها، فوهبها الفراغُ وسعَه.

2025/12/06

مجرد بصر

 اليقظة… الانكشاف… الاكتشاف… النضج… الوعي.
مراحل لا يمرّ بها الجميع.
وكثيرًا ما سألتُ نفسي: لماذا يمرّ بعضهم بها، بينما يعبر آخرون الحياة دون أن يلمسوها؟

هل هو سرّ؟
هل هو اختيار ربّانيّ يُلقى في طريق أحدهم دون آخر؟
 أم أنّه قرارٌ إنسانيّ… مسارٌ شخصيّ لا يفرضه القدر بل يفتحه القلب حين يستعدّ؟

وهل الوعي طريقٌ واحدٌ فعلاً؟ طريق واضح ينساق إليه أحدنا بلا قصد، بينما يهرب منه آخر كي لا يراه؟
 أيُعقل أن يرغب إنسان - من تلقاء نفسه - أن يدخل طريقًا كهذا؟
 وهل السعادة في الاقتراب منه… أم في البعد عنه؟

وهل هو طريق أصلاً؟ أم مجرّد مسيرٍ في أرضٍ لا تشبه الأرض: رمالٌ تتحرّك تحت قدمك، حجارةٌ تجرحك، حُفَرٌ لا تُرى، وفراغات؟

وهل لهذا الطريق بداية ونهاية؟
أم هو دائريّ… تبدأه حين تفتح عينيك لأول مرة، وتنهيه حين تدرك أنك لم تكن نائمًا فقط، بل كنتَ ميتًا وأنت لا تدري؟

ما هو الوعي؟ ما هي اليقظة؟ م
ا تلك اللحظة الخرافية التي تُفتح فيها عيناك ولا تعرف بعدها كيف تغلقهما؟
أن يصبح بصرك خارقًا، ورؤيتك نافذةً إلى الحد الذي ترى فيه ما وراء الأشياء… وليس الأشياء نفسها؟

وما هي لحظة الكشف تلك التي يتغير على اثرها كل شئ؟ التي تليها دهشة، ثم وجع، ثم بصيرة، ثم حياة؟

أخبرني… هل جرّبت؟
كيف خرجت منها؟
كيف رأيت الناس بعدها؟
 هل تغيّروا في عينيك أم أنت الذي تبدلت؟
وهل لمحوا فيك اختلافًا، أم ظلّ العالم كما هو بينما تغيّرت أنت وحدك؟

وهل يمكن لإنسان أن يظنّ أنه خاض التجربة وهو لم يخضها قط؟
أن يخلط بين العلم والوعي،
بين الرؤية والبصيرة،
بين الفهم واليقظة؟
أن يظنّ نفسه يقظًا، بينما ما زال يعيش على السطح؟

قالت لي صديقة يومًا: "أريد أن أعيش كما يحيا الآخرون… على السطح."
وأجبتها بصوت من عاش هكذا لسنين طويلة: لا سعادة هناك… لا شعور… لا راحة… لا حياة.

على السطح، كل شيء فراغ. تعيش بعينَي مغمضتين وأنت تظن أنك تبصر.
تنظر ولا ترى… ترى ولا تفهم… تظنُّ أن بصرك حديديّ، بينما داخلك مظلم، نائم.
تظنّ أنك مستيقظ، بينما الحقيقة أنك لم تستيقظ يومًا
: السطح موت. والوعي حياة.

الوعي يُرعبنا… لأنه يكشفنا.
 يكشف ضعفنا وضعفهم…
يكشف هشاشة العالم وضآلة ما ظننّاه يومًا مهمًّا.
لكنّه — رغم ذلك — يُحيينا.

وربما الحقيقة.. أننا لا نفتح أعيننا فجأة كما ظننت. بل أننا في لحظةٍ ما - تختلف من شخص لآخر - نُغمض أعيننا عن الحياة من فرط الوجع، أو الاحتراق، أو حتى الحب أو الصدمة.

نُغمض أعيننا.. فلا نعود نرى الحياة الخارجية.
نبتعد عنها للمرة الأولى.. لا نلتهي بها..
 فنستكشف شيئًا جديدًا.. داخلاً لم نره من قبل.
 ينكشف الغطاء فنرى.

وكلما دققنا النظر، زادت واتسعت بؤرة الرؤية، فرأينا أكثر.
ووعينا بالموجود بداخلنا.
أليس "الوعي" مشتقًا من "الوعاء"؟.. وعاؤنا الداخلي؟

ثم.. وحين ننتهي من رؤية الداخل جيدًا.. تتفتح أعيننا من تلقاء نفسها.
فنستيقظ.
وحينها نرى الوجود كما لم نره من قبل قط.

ونفهم.. أن البداية من الداخل. والنهاية في الداخل. وأن الخارج هو... هو الموت.

ولأول مرة، لا يعود مهمًا إن كانت العيون في وجوهنا مفتوحة أم مغمضة..
فليست هي التي نرى من خلالها

2025/12/04

السم...هل له طعم؟

 ما طعمُ السُمّ؟
هل له مذاقٌ يُميّزه؟
 وهل نأكلُه عمدًا… ؟

أخبرني… هل جرّبتَ يومًا أن تبتلع شيئًا لم تشكّ فيه قطّ؟
شيئًا يُشبه الطعام الذي تعرفه، يشبه ما صنعتهُ يداك؟
لتكتشف لاحقًا أنه لم يكن طعامًا، بل طُعم؟

نُمسك الشوكة والسكين.
 نجلسُ أمام الطبق بكامل الطمأنينة.
نقطعُ اللقمة بحركةٍ بديهيّة لا تعرفُ الشكّ.
وينزل الطُعم في الجوف…
تبدأ الرحلة نحو الأعماق.. هادئةً...
 لا مرارة تُذكر، ولا نذيرَ خطر.

ولكن… ثمة صوتٌ خافتٌ في داخلك، حدسٌ يهمسُ: "احترس".
 لكنك لا تُنصت.
لا تتوقف.

ينزلق السُمّ، يبلغُ الأمعاء، وهناك يبدأ الانكشاف.
 ما وصلَ إلى العمق..جاء ليُميت.
 تتوتر الأمعاء، تتلوّى،
 وتصلُ الرسالة الأولى إلى العقل: "أنقذنا.. هناك دخيل."

لكن العقل، ببراعته في الإنكار، يهمس: "لا بأس.. إنه مجرد طعام، لو كان سُمًّا لأدركناه." فيطمئن، ويغفو.
وفي غفلةِ العقل.. يتجذّر السُمّ. يندمج بالداخل،
ويصبحُ خروجه حربًا بعد أن كان دخوله سلامًا.

حينها فقط، تصرخُ الأعماق صرختها الأخيرة : "استيقظ.. تحرّك.. انزع هذا البلاء الآن."
ولكن.. كيف يطردُ الجسدُ شيئًا صار جزءًا منه؟

ورغم أن أفواهنا لا تعرف طعم السمّ،
وحواسنا قد تتخدع
إلّا أن بواطننا… وحدسنا…
يعرفان المذاق جيّدًا.

والان لن أسألك: هل جرّبت طعم السُمّ؟
بل سأسل:
هل سكنتَ يومًا… استقررت… هدأت… وفي جوفك بقايا منه؟

2025/12/03

الذي نحتاجه

أحيانًا… لا نعرف ما الذي نحتاجه حقًا.
نجهل رغبات أرواحنا... ما تختبئ به، وما تتوق إليه لتستعيد توازنها.
وأحيانًا يكون كلّ ما نحتاجه هو الفراغ.
هو اللا شيء.
هو ذلك الوضوح الداخلي الذي لا يجيء إلا حين يخفت الضجيج، وذلك الاستقرار الذي يولدُ حين نتوقّف عن الكلام، وعن الفعل، وعن الانشغال بالعالم.

أن نسكن.
أن نسكت.
أن نصمت حتى نهدأ تمامًا…
فنعود نمضي بقلبٍ أخفّ.

أحيانًا نحتاج أن نتوقّف...أن ندَع عقارب الساعة تمضي دون أن نركض خلفها،
أن نشعر بالحرف ينضج في داخلنا دون أن نُكره القلم على الكتابة،
أن تتباطأ الحياة قليلًا من حولنا…
فلا نُعاندها، ولا نُجرّ أنفسنا بعكس التيار.

في مثل هذه اللحظات نحتاج أن ننصت للعالم
أن نلين للقدر،
أن نسلّم لله بلا مقاومة
لا نصارع الأيام، ولا نتنازع مع الناس.

هذا الهدوء،
هذا السكون،
هذا الانسحاب،
هذا الالتقاء مع النفس،
هذه الوحدة،
وهذا الخلاء،
وذلك الإفراغ الداخلي…

هو الهدنة.
فترة توقّف عن اللهاث والركض ومحاولة الإمساك بكلّ شيء.
وقد تكون - من حيث لا ندري - أكثر ما نحتاجه لنعود إلى أنفسنا وإلى الحياة من جديد.
وقد تأتي عكس رغباتنا،
لكن حين نذعن… ونستمع…
نكتشف فيما بعد أننا نحتاجها أكثر من أي شئ...

وهنا بالضبط…
يبدأ يقيننا بالله ينبت ويتجذّر.

فهو دائمًا يختار ما لا نعرف أن نختاره لأنفسنا،
ويمنحنا ما نحتاجه قبل أن ندرك نحن حاجتنا إليه.

ففي الله… كلّ الأمان.
وعنده… كلّ الغنى.
وبالقرب منه… ما لا يُضاهى.

لهذا نثق،
نطمئن،
نسلّم،
ولا نسأل ماذا لو؟ وكيف؟

نسلّم يقينًا بأنه يرى ما لا نرى،
ويعلم ما نجهل،
ويقودنا دائمًا،
ويُمهّد لنا الأساس، حين لا يكون هنالك طريق من الأساس
ويأخذ بيدينا إليه دون علم منا.
ينير لي الدرب إذا أظلم،
ويُنزل على القلب سكينة إذا تضعضع،
ويُهَدّئ العقل إذا ثار أو تساءل أو غضب.

في قلقنا البشري نجد الطمأنينة عنده،
والأمان كلَّ الأمان في اللجوء إليه.
وبعد أعوامٍ من التجربة… نفهم:
لا طريق من دونه،
ولا سير بلاه،
ولا أرض تثبت،
ولا شيئ ينبت،
ولا شعاع يخرج،
ولا سماء تتّسع،
ولا إنسان يستقيم… إن لم يكن هو في قلب كلّ ذلك وأساسه ونيته.

وأنا أكتب
بعد أن عشتُ الريبة والقلق،
ومررتُ بالظلام،
وظننت أنني أستطيع أن أستند إلى نفسي،
وإلى عقلي وقراراتي وظنّي.
فلمّا جرّبت… فهمت.

أننا مهما عرفنا لا نعرف
ومهما رأينا لا تتسع بصيرتنا للكشف الكلي 
ومهما اطمئنينا فلا أمان كامل بدونه...
وأن نوره إذا ظهر… كفى.
وأن القلب إذا امتلأ به… اكتفى

وأننا إن استندنا عليه، وإن انهدمت الحياة من حولنا لن نسقط،
وإن التجأنا إليه ووثقنا… لن نُخذَل ولا نضل.

وفهمت أننا أحيانا… لا نعرف ما الذي نحتاجه حقًا.

حتى نحتاج الله سرا

فيقودنا جهرا الى ما نحتاج...

2025/12/01

غيب...وعي

لقد حَجَبَ اللهُ عنّا الغيبِ، لنراهُ بقلوبِنا ونعرفهُ بأرواحِنا.
أخفى عنّا المستقبلَ لنَضْطَرَّ إلى اللجوءِ إليه
ولنفتقرَ وندعوَ ونرجوَ ونذهبَ إليهِ
فلولا هذا الحجاب، ولولا الغيبُ، لَمَا فُعِّلَ وعيُنا، ولا أبصرتْ قلوبُنا، ولا اشتغلتْ بصائرُنا

لو رأينا كلّ شيءٍ أمامنا، لَمَا كانَ هنالكَ داعٍ لحواسِنا
ولَمَا أنصتنا له بقلوبِنا
ولا استشعرنا وجودَه بأرواحنا
ولا رأينا أعاجيبَ قدرتِه، ولا استقبلنا رسائلِه

كنّا سنضمنُ النتيجةَ، ومع الضمانِ يموتُ الاحتياج، وبموتِ الاحتياجِ يطغى الغرور
 لقد حَجَبَ اللهُ عنّا ليُعلّمَنا أنَّ العينَ مهما اتسعت رؤيتُها فهي قاصرة
 وأنَّ الطريقَ مهما استبانَ فسرُّه كامنٌ لا ينكشف
إنَّ السطحَ وإن ظهر، فما استترَ كان هو الأعمق والأصح والأصدق

فالسماءُ وإن بَدَت زرقاءَ، فخلفَ زُرقتِها سبعُ طباقٍ لا نُحيطُ بلونِها
والبحرُ وإن لمسنا موجه، ففي أحشائِه أعماقٌ لا تُمَسّ
والنفسُ مهما أفصحت، ففيها طوايا لم تُخلَق للكشف

إنَّ اللهَ وإن بدت أعاجيبُ قدرتِه وآياتُه، وإن عرفتهُ القلوبُ وآمنتْ به الأذهان
 إلا أنه تعالى عن ذلك وجَلّ
 لا يُرى ولا يُكشفُ لِبَشَر ولا يُلمسُ ولا يُمَسّ
 ومهما رأيناه بقلوبنا، إلا أننا نشتاق أكثر وأكثر للوصل والوصول إليه

لذلك في الغيبِ نفهم
نفهم ضعفنا المُطلق
وأننا مهما اكتشفنا، لا نكشفُ الا القليل.
وأنَّ العقلَ مهما وصلَ، فبدونِ القلبِ لن يصل.
الغيبُ يعلّمنا التواضع

إن كنتَ لا ترى موطئَ قدمِك في غدِك، فكيف تغترّ بأنك تعرف؟
وإن كنتَ تسيرُ في المجهولِ وحدك، فبِمَ تطمئنّ إن لم يَكُنْ نورُه هو نبراسك، ونورك ودليلك؟

ربّما لا يظهر معنى التسليم إلا في عتمة المجهول
ولا تتجلّى الثقة إلا حين تمشي في الطريق وأنت لا ترى شيئًا
فسبحانَ من جعلَ حياةَ القلبِ ويقظةَ الروحِ.. في غياباتِ الغيب