2026/06/29

ثم لماذا

 

والساعة تشير إلى الرابعة فجراً... أخيراً خرج، جاء وظهر. واستبدل مكانه بالفراغ. انتهى شعور الغثيان الذي استمر حتى تمام الشهور واكتمالها.
وانتُزِعَ من بين أحشائي؛ لا، لم ينتزعه أحد... خرج هو... تنفس، أطل، صرخ وبكى بغضب... ليلتقط أنفاسه ويجيء
.

أهذه إذاً الحياة؟ تنفسها، رآها، خرج من هنا، خرج محاطاً بالدم، وبألمٍ لم أعهده من قبل، وجاء استجابة لدعاء وأمنية طال تحقيقها... بإرادة الله؛ لأراه، وألمسه، وأتنفسه، وأقرّبه، وأحتضنه... ولأبقيه حبيس القلب، محفوفاً بالعين، ومحفوظاً بالذكر والدعاء. كنت أخاف... كثيراً عليه...

لكنني كنت أستبقيه بالقرآن، وأستبقي معه الحياة، أراقبها تمرّ من خلاله، وأمررها معه، وأتحمل مرارتها به... كان الأمنية الأهم... والدعاء المجاب. أراقبه نائماً، فأرقيه... أمرر يدي فوق قلبه لأطمئن... بأن نعمة الله لا زالت قائمة، ففي بعض الأحيان من كثرة تعلقنا بالشيء نخاف فقده...
كنت أخاف عليه ملمس الأيدي، واقتراب الأنفاس... وعبث القبلات... كان الأهم... ووحده أصبح المهم... وبه تبدّلت الأولويات، وتغيّر شكل الأيام، وبه تحوّلت مسيرة المشاعر... ومسار الحياة... وكل ما أحمله من حب تحول وقعه منهم إليه
...

ثم ماذا؟

انفلت كل ما فيه. ورغم أنه لم يُنتزع من أحشائي، إلا أنه انتُزع من حياتي. لم يحدث قط أني فرطت، ولكن حدث أن سُلِبَ مني بغتةً.. ذهب ولم يَعُد. كان يقف بجانبي، ممسكاً بيدي، وفجأة، نظرت أمامي وحين عدت لأنظر بجانبي، لم أجده! ذُهلت؛ ألم يكن هنا للتو؟ أنظر إلى يميني ويساري، في الأمام والخلف، حولي، وبيني وبين نفسي: أين ذهب؟ كيف تُسلب منا الأشياء وهي معنا؟

أهذا هو الابتلاء في شكله الأقسى؟ ماذا بعد؟ وكيف أحتمل البُعد؟ أهذا اختبار الصبر أم اختبار الفقد؟ أم اختبار كل ما تعلق به القلب؟ أهذا اختبار التخلي؛ أن تُبتلى فيما تحب؟

مشيتُ أبحث عنه، ألتفتُّ يمنةً ويسرةً، أُجيل بصري وأرفع صوتي. أبحث عنه بحواسي كلها، بمنتهى التعقل.. وبمنتهى حرقة القلب.

ثم ماذا؟

بدأ القلب يبرد، يستسلم، ويحيد عن التفكير. أهذه هي الأمومة في كفرها وقنوطها، أم في ضعفها؟ ألم يقولوا قديماً إن البعد يُقسي القلوب؟ فلماذا فتر قلبه، وانفطرعليه قلبي؟

أشتاق، وأتأذى، ويُعلن قلبي احتجاجه على الحياة بأكملها.
يتردد سؤال "لماذا؟"، ويتكرر...فأتعامل معه وكأنه لم يأتِ.

أكمل الحياة. أمشي فيها. ولكن لا يتركني سؤال "لماذا؟"

2026/06/19

زجاج

أراقبك
 كيف تمشي فوق الزجاج حافياً دون أن تُجرَح؟
الزجاج يتناثر تحت أقدامك، لكنك تمضي فوقه وكأنك تطأ أرضاً صلبة، أو رمال طريه أو دروباً مألوفة تعرف خباياها وتتقن مسايرتها
. هل ثمة من يمشي فوق الزجاج المنكسر، فوق الشظايا الجارحة والقطع الحادة حافياً، دون أن تنغرس إحداها في قدمه؟ دون أن تمزق نسيجه؟ دون أن تُحدث جرحاً، أو نزفاً، أو أثراً؟

أراقبك
 كلما تهشم لوحٌ زجاجي تحت قدمك، قفزت فوراً إلى آخر.
تتوالى قفزاتك، واحدة تلو أخرى، حتى استحالت خطواتك إلى قفزاتٍ متتالية.
لقد أدمنت المضي بهذه الطريقة، يتشقق الزجاج تحتك، وفي اللحظة الحاسمة تنجو بنفسك، وتقفز قبل أن تطالك الشظايا
.. ولكن، هل هي حقاً لا تطالك؟

ألفت الخطر، واستهويتك المغامرة، وتعددت محطاتك، حتى نسيت شكل الأرض، ومعنى الثبات وضرورة المشي.
حتى جاءت تلك اللحظة حين اشتد الهواء وعصفت الرياح، وتطايرت الشظايا لتصفع إحداهن وجهك، وتصيب أخرى رأسك، وكأن الأرض انقلبت لتصبح سماءً تمطر شظايا. تناثرت حولك في كل اتجاه، فجرحت كل ما فيك
.

كيف لك إذن أن تمشي فوق الزجاج فتنجو أقدامك، بينما يتمزق كل ما فيك؟

  

2026/06/06

رماد اسود

 

وتتذكر... البداية.

تتذكر أنها راهنت ذات يوم على "البياض"؛ على قدرته أن يبتلع السواد، وأن يسود على الظلام. راهنت على معادلة النور، وعلى طاقة اللون الأبيض في الاجتياز، والانتشار، ومحو ما دونه حتى وإن حدث ذلك ببطء. راهنت على الخير، والصواب، والفضيلة، وأقسمت أن النور إن فاض وزاد، سيمحو كل بقعة قاتمة.

لكنها تغافلت عن حقيقة أن أساس المعادلة معكوس؛ وأن السواد أقوى، وأطغى، وأكثر شراهة لالتهام كل الألوان. السواد إن ظهر غطّى، وإن استُخدم طمس، وأن مجازفتها بقلب الموازين كانت محض وهم.

وأنت... أنت ذلك السواد الذي توهمتُ قدرتي على تغييره، فغيّرني هو. أنت السواد القوي الطاغي. بفرشاة، بحركة، وبخطوةٍ بدأتَ. بخطةٍ، بترتيب، وبخطواتٍ صغيرة محسوبة ودقيقة زحفتَ. بفرشاةٍ سوداء على ورقةٍ بيضاء، وضعتَ نقطة، فأخرى، ثم أخرى. رسمتَ خطوطاً، شكلتَ وجوهاً، ثم كسرتَ كل الحدود... لتختنق الورقة البيضاء بسوادك، وتتلطخ بالكامل، وتُسلب هويتها.

والآن... كيف نغسل ما اسودّ؟ وكيف نسترد بياضاً افتقدناه؟

تفرج عن شفتيها، فيتسرب الدخان من بينهما، ثم تعاود الكَرّة. تطبق شفتيها علبها وكأنها تمتص شيئاً إلى أعمق نقطة في جوفها... تغمض عينيها، وتشد جفنيها بقوة، ثم تطلق سراح أنفاسها ليتسع فمها في شكل دائري يلفظ ذلك الدخان الأبيض. تفتح عينيها لتراقبه وهو يشكل أطيافاً تتأملها حتى تتلاشى. ترفع كفها، تمرر أصابعها عبر الدخان، تريد أن تلمسه، أن تستشعره...

ثم تعيد الفعل ذاته؛ تسحب شيئاً إلى داخلها، ليخرج على إثره شيء آخر. إلى أين يذهب هذا الهواء المصنوع؟ المصبوغ؟ أين تذوب أشكاله في الطبيعة؟ وفيمَ تتغلغل رائحته؟ ولماذا لا تصمد الأبخرة طويلاً؟ تتلاشى أمامها بلمح البصر، بينما تتوق لو تبقيها عالقة في الهواء لفترة أطول. كيف السبيل إلى القبض عليها؟ ولماذا تلحّ في طلب بقائها؟

تنفث الدخان ببطء شديد لعله يمكث، لكنه يرحل بنفس السرعة... تحتفظ به في جوفها لوقت أطول، تظن أنه سيصبح أكثف وأثقل ليطول أمد بقائه، لكن محاولاتها جميعها تبوء بالفشل. ذلك الهواء، ذلك الدخان الأبيض، يأبى البقاء. أشكاله ترحل دائماً.

تغمض عينيها مجدداً... وتستسلم لإيقاع شفتيها بين الجماد والهواء. وفي عتمة الجفون، تتخيل رسومات الدخان.

تفتح عينيها فجأة... لتجد الرماد الأسود قد ملأ الطفاية البيضاء. تحدق في بياضها الذي شوهه السواد المتراكم. تسدل رأسها ببطء، وتنفث الهواء بقوة نحو ذلك الرماد المتبقي لعلّه يطير، لعلّه يرحل كما رحل الدخان الأبيض الخفيف... لكنه يبقى قابعاً هناك، ثقيلاً، عنيداً، لا يتزحزح.