2026/06/06

رماد اسود

 

وتتذكر... البداية.

تتذكر أنها راهنت ذات يوم على "البياض"؛ على قدرته أن يبتلع السواد، وأن يسود على الظلام. راهنت على معادلة النور، وعلى طاقة اللون الأبيض في الاجتياز، والانتشار، ومحو ما دونه حتى وإن حدث ذلك ببطء. راهنت على الخير، والصواب، والفضيلة، وأقسمت أن النور إن فاض وزاد، سيمحو كل بقعة قاتمة.

لكنها تغافلت عن حقيقة أن أساس المعادلة معكوس؛ وأن السواد أقوى، وأطغى، وأكثر شراهة لالتهام كل الألوان. السواد إن ظهر غطّى، وإن استُخدم طمس، وأن مجازفتها بقلب الموازين كانت محض وهم.

وأنت... أنت ذلك السواد الذي توهمتُ قدرتي على تغييره، فغيّرني هو. أنت السواد القوي الطاغي. بفرشاة، بحركة، وبخطوةٍ بدأتَ. بخطةٍ، بترتيب، وبخطواتٍ صغيرة محسوبة ودقيقة زحفتَ. بفرشاةٍ سوداء على ورقةٍ بيضاء، وضعتَ نقطة، فأخرى، ثم أخرى. رسمتَ خطوطاً، شكلتَ وجوهاً، ثم كسرتَ كل الحدود... لتختنق الورقة البيضاء بسوادك، وتتلطخ بالكامل، وتُسلب هويتها.

والآن... كيف نغسل ما اسودّ؟ وكيف نسترد بياضاً افتقدناه؟

تفرج عن شفتيها، فيتسرب الدخان من بينهما، ثم تعاود الكَرّة. تطبق شفتيها علبها وكأنها تمتص شيئاً إلى أعمق نقطة في جوفها... تغمض عينيها، وتشد جفنيها بقوة، ثم تطلق سراح أنفاسها ليتسع فمها في شكل دائري يلفظ ذلك الدخان الأبيض. تفتح عينيها لتراقبه وهو يشكل أطيافاً تتأملها حتى تتلاشى. ترفع كفها، تمرر أصابعها عبر الدخان، تريد أن تلمسه، أن تستشعره...

ثم تعيد الفعل ذاته؛ تسحب شيئاً إلى داخلها، ليخرج على إثره شيء آخر. إلى أين يذهب هذا الهواء المصنوع؟ المصبوغ؟ أين تذوب أشكاله في الطبيعة؟ وفيمَ تتغلغل رائحته؟ ولماذا لا تصمد الأبخرة طويلاً؟ تتلاشى أمامها بلمح البصر، بينما تتوق لو تبقيها عالقة في الهواء لفترة أطول. كيف السبيل إلى القبض عليها؟ ولماذا تلحّ في طلب بقائها؟

تنفث الدخان ببطء شديد لعله يمكث، لكنه يرحل بنفس السرعة... تحتفظ به في جوفها لوقت أطول، تظن أنه سيصبح أكثف وأثقل ليطول أمد بقائه، لكن محاولاتها جميعها تبوء بالفشل. ذلك الهواء، ذلك الدخان الأبيض، يأبى البقاء. أشكاله ترحل دائماً.

تغمض عينيها مجدداً... وتستسلم لإيقاع شفتيها بين الجماد والهواء. وفي عتمة الجفون، تتخيل رسومات الدخان.

تفتح عينيها فجأة... لتجد الرماد الأسود قد ملأ الطفاية البيضاء. تحدق في بياضها الذي شوهه السواد المتراكم. تسدل رأسها ببطء، وتنفث الهواء بقوة نحو ذلك الرماد المتبقي لعلّه يطير، لعلّه يرحل كما رحل الدخان الأبيض الخفيف... لكنه يبقى قابعاً هناك، ثقيلاً، عنيداً، لا يتزحزح.


No comments:

Post a Comment