2026/07/28


عَشِقَ سِواكَ فانتُهِك
وَثِقَ فغُدِرَ به،
استندَ إلى مَن دونَك فخُذِل
..

واليومَ.. اشتاقَكَ يا الله. يُريدُ أن يُعاودَ المرورَ أمامَ بابِك..
أن يَدُقَّه، يَقرعَهُ بلطفٍ، بحياءٍ، وبجراءةِ الواثقِ بأنَّ لُطفَكَ وقَبولَكَ، أعظمُ من إعراضِه.

أحبُّكَ يا رب..
وما زالَ القلبُ ممتلئاً بك، مُتعلِّقاً بسمائك، يبحثُ عنكَ في عِزِّ تِيهِه.
يبتعدُ ويبتعدُ ويبتعد.. لكنَّهُ يعودُ إليكَ بفطرتِه
 قلبٌ عاصٍ لكنَّهُ بصِدقٍ يُحبُّك، فهل ستقبلُه؟
وهل يَشفَعُ الحُبُّ للمُحبِّ إعراضَه؟

قلبي تلوَّن.. وأنا أُحاولُ أن أُعيدَهُ كما فطرتَه
تَهبِطُ الدموعُ من عيني دونَ أن أبكي، وتُستثارُ بداخلي المشاعرُ من عُمقِ حُبّي لك،
وشيءٌ لا أعرفُ اسمَهُ ولا أملكُ وصفَه.. يَحنو على فؤادي، فأشعرُ بكَ قُربي
.

أتحبُّني يا ربّي كما أُحبُّك؟
وكيفَ لقلبي، بمعاصيهِ وآثامِه، أن يحمِلَ طُهرَ حُبِّك؟
كيفَ تأخذُني نحوَك.. تُقرِّبُني منك؟
وتحمِلُني إليك.. كيف تسحبُني؟ وكيفَ تُعيدُني إلى سَمائك؟

أخلو بِنفسي.. أتأمَّلُ سَمائكَ وأرضَك، أتنفّسُ هواءً صَنعتَه، وأنظرُ إلى قمرِكَ وأنوارٍ تُزيِّنُ جدارَ سمائك
فيغمرُني بَغتةً ذلكَ الشّعورُ القديمُ الذي أوشكتُ على نِسيانِه: شعورُ السَّلامِ، والسّكينةِ، والأمانِ في كَنَفِ قُربِك، والاكتفاءِ التامِ بك.
فأُوقنُ حينَها أنَّ الأرضَ بما رَحُبت، لا تُساوي لَحظةً واحدةً مِن هذا الشّعور.

وأعودُ لأتفقّدَ قلبي، ومَن تعلّقَ بِهم يوماً، فلا أجدُ فيهِ أحداً سِواك
أهكذا تُنقِذُني منهُم ومِن نَفسي؟ أهكذا تَرُدُّني إليكَ وتَحميني؟

أُحبُّكَ يا ربّ.
بِقلبٍ مهما امتدّت مَساحاتُه، واتّسعت تضاريسُه، سيبقى صغيراً جداً، ضئيلاً، ومُتوارياً جِدّاً.. أمامَ عظمة حُبِّك.

اليومَ عُدتُ إليكَ يا ربِّ..
فلا تسمح لروحي أن تتغرّب، ولا لقلبي -الذي هو بينَ يديك- أن يبتعدَ 


2026/07/27

امسحيها

وكلما أمسكتُ بنظارتي الشمسية لأخبئ عينيّ خلفها، تذكرتك. تذكرتُ كلمتك المعتاده: "امسحيها".

كنتَ تتهمني بالعشوائية والإهمال، وتستنكر كيف ارتديها قبل أن أتأكد من خلو عدساتها من البقع. لم تكن تقتنع يوماً بمحاولاتي، فتنتزعها من يدي بحدة، وتمسحها بعصبية وأنت تردد:
"حتى أبسط الأشياء لا تجيدين فعلها"
 ثم تناولني إياها متأففاً، وكأنك تمنحني الإذن بالرؤية
.

كنتُ أضعها على عينيّ في صمت؛ نصفٌ مني يوهِم نفسه بالامتنان لاهتمامك بتفاصيلي،
ونصفٌ آخر يشتعل باعتراضٍ مبهمٍ لم أمتلك شجاعة فهمه حينها
.

ثم افترقنا...

لكن مع كل مرةٍ أرفع فيها النظارة لأرتديها، كنت ألمح وجهك الحانق ونظرتك المعترضة. وبتلقائيةِ الخائف، وحين يتردد صدى تأففك في أذني، كنت أبالغ في تنظيفها، أفركها بهلع؛ خشية غضبٍ لم يعد موجوداً، وهروباً من لومك اللاذع ونظراتك المشمئزة التي ظلت تطاردني.

إلى أن تبدل الأمر. شيئاً فشيئاً، أصبحتُ أتعمد تركها متسخه.
 أضعها فوق عيني ببقعها، بعشوائيتي التي تكرهها.
 أتركها تحجب عني شمس الظهيرة، وتثبت لي أنني تحررت، وأنني أصحت قادره على رؤية العالم بطريقتي.
فهل تحررت فعلا منك أم أنني لازلت ارى الحياه ببقعك؟

2026/07/12

"هذا فراقٌ بيني وبينك"

 "هذا فراقٌ بيني وبينك"
هو كالإدمان
كأعراض انسحاب النيكوتين من الجسد.
 الوحدة حين تخيّم،
والصمت حين يسيطر
 إنه الفراغ.
 أن توصد الأصوات من حولك فجأة،
 أن تفقد الشعور بالأشياء.
أن تنطفئ الأنوار، وتتوقف الأحداث.
أن تشعر بالبرودة تسيطر عليك؛ تصل إلى أطرافك، تزرقّ أظافرك،
 يخفت صوتك،
ويتشقق من فرط الجفاف حلقك.
أن يتكلموا حولك فلا تسمع.
 أن تحزن عيناك ولا تدمع،
 أن تتسارع نبضاتك
 وتتقلص أمعاؤك، أن تفقد الشهية للطعام، وللحياة، ولكل ما هو مقبل.

أن تمسك بهاتفك، تنبش في احتمالات أن تعود الاتصالات والأحاديث.
أن تتذكر اللحظات، وتومض أمامك الذكريات.
أن تستعيذ بالله من الشيطان؛ لعل وسواس الماضي لا يعاود المرور على عقلك، ولكنه يعود.

أن يستوطنك سؤال: لِمَ؟ وكيف؟ ومتى؟ ولماذا كان ما كان، إن لم يكن الحال سيدوم يوماً؟
أن تشعر بوجوب محاولة النهوض من جديد دون أن تلتفت إلى الوراء
 أن تمضي إلى الأمام وكأن لا قلوباً تعانقت، ولا ذكرياتٍ صُنعت، ولا أوقاتٍ أُهدرت، ولا وعوداً نُكثت...

"هذا فراقٌ بيني وبينك"
تظن الجملة هينةً، خفيفةً، رحيمةً حتى تقع على مسامعك، فتصفعك الحقيقة.
تظل تنتظر أن تكتمل معانيها، وأن يهبك الله العلم والمعرفة لتفهم الحكمة من ورائها؛
 وأن تُنبَّأ بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً في حينه.

2026/07/06

خلفك الشمس

تقف أمام الشمس فتحجب نورها بجسدك. تقف هي خلفك؛ تحجبها فتُخفيك.. تغطيها فتُطفئك. أرقبك ظلاً، كصورة سوداء، وأتأمل المشهد كلوحةٍ فنية: فراغٌ، وغروب، وخلفية، ورجلٌ يتوسط الإطار ليصبح بطله الأوحد. شمسٌ تكاد تغيب، وأنت رغم العتمة، الحاضر الوحيد.

لعل عينيّ تجاوزتا كل ما حولك واستقرتا عليك.
"من أنت؟"؛ سؤالٌ تكرر لشهورٍ واستوطنني. حاولتُ تفكيكه، فرزه، للاقتراب منك حد لمس أعماقك، أن أقرأك بلا حُجب، لكن اليقين ظل يراوغني. أتوهم حيناً أنني رأيتك، وأوقن مراراً أنني لم أفلح.

ربما صدقتَ حين أخبرتني بتضادنا؛ وأن هذا هو سر الانجذاب. غير أن النقيضين لا يجتمعان دون أن يُفني أحدهما الآخر. الأقرب للحقيقة أن كلينا نار؛ نارك متوهجة ظاهرة، وناري خفية قابعة في الأعماق؛ يظنها العابرون رماداً، وهي تستعر تماماً كنارك.

أم نحن مرآةٌ مشروخة تقاوم الالتئام؟ لسنا نقيضين يعجزان عن الالتحام، بل متشابهان يخشى كل منهما الانصهار التام.
أو قد نكون مرآةً يمكن جمع شظاياها لنصنع من الانكسار فناً، كـ "الموزاييك"، حيث يُخلق الجمال من رحم الأشياء المنكسرة
؟

تبدو كمن كفر بالضوء واستوطن الظلام، أو كمن عبث بالألوان طويلاً حتى تحولت حياته إلى لوحة تداخلت أصباغها حد النشاز. تتأرجح صورتك بين رجل متمرد باذخ الأنانية، ومراهق مراوغ يختبئ خلف متاريس الكلمات، وثمة ما يجعلني أراك كطفلي، كطفل ضلّ طريقه؛ فرغم الدهاء الذي يلمع في عينيك، لم يفلح شيء في حجب تلك الومضة التي ألمحها بين الحين والآخر: ومضة ابني الخائف المتردد الذي يبحث دائما عن الدفئ. أم أنني أنا من تختلق ما لا وجود له؟

أو لعلك الزاهد الذي سئم ضجيج الأرض، فيمّم وجهه شطر سماء بلا صراعات، ثم يعود خلسةً إلى المستديره يبحث فيها عما اضاع؟ أم أنك صياد الفرص الذي يرفض الاستسلام والهزيمة؟ من أنت من بين كل هؤلاء؟ الأرجح عندي أنهم جميعاً تواجدوا في تفاصيلك، فصنعوا ذلك الـ "أنت"؛ رجل التناقضات والألوان المجتمعة، المتفرد، الباذخ في كل شئ، مزدحم التفاصيل والصفات، غني الطبائع، مجتمع الشخوص، الواقف الآن أمام الشمس.

تعترف بأنك "رجل سيئ".. ارتكب من الخطايا ما لا يُحصى. ترى في نفسك الظلام، بينما أرى فيك نوراً خافتاً يأبى التجلي. لماذا تتمسك بالعتمة؟ لماذا تصر على الوقوف أمام الشمس؟

— "ممكن تِغَيّر وقفتك؟ تتحرك شوية.. تعالَ كده، مش باين من الشمس".

لا تتحرك. هل لا تسمعني أم لا تراني؟
غارقٌ أنت فيك
أُغير أنا وقفتي، أحيد عن مكاني، أحاول بشتى الطرق أن أضيئ الصورة.. أتحرك، أراوغك وأراوغ الشمس.. ألتف، أُمسك بهاتفي، أصوبه باحثةً عن الضوء.. وأخيراً أفلح.. أضغط الزر.

أفتح الصورة فأراها مهتزة.. لم تأتِ كما تمنيت

. أعود إلى موقعي الأول؛ أنت تقف.. وخلفك الشمس.