تقف أمام الشمس فتحجب نورها بجسدك.
تقف هي خلفك؛ تحجبها فتُخفيك.. تغطيها فتُطفئك. أرقبك ظلاً، كصورة سوداء، وأتأمل
المشهد كلوحةٍ فنية: فراغٌ، وغروب، وخلفية، ورجلٌ يتوسط الإطار ليصبح بطله الأوحد.
شمسٌ تكاد تغيب، وأنت رغم العتمة، الحاضر الوحيد.
لعل عينيّ تجاوزتا كل ما حولك
واستقرتا عليك.
"من أنت؟"؛ سؤالٌ تكرر لشهورٍ واستوطنني. حاولتُ تفكيكه،
فرزه، للاقتراب منك حد لمس أعماقك، أن أقرأك بلا حُجب، لكن اليقين ظل يراوغني.
أتوهم حيناً أنني رأيتك، وأوقن مراراً أنني لم أفلح.
ربما صدقتَ حين أخبرتني بتضادنا؛ وأن
هذا هو سر الانجذاب. غير أن النقيضين لا يجتمعان دون أن يُفني أحدهما الآخر.
الأقرب للحقيقة أن كلينا نار؛ نارك متوهجة ظاهرة، وناري خفية قابعة في الأعماق؛
يظنها العابرون رماداً، وهي تستعر تماماً كنارك.
أم نحن مرآةٌ مشروخة تقاوم الالتئام؟
لسنا نقيضين يعجزان عن الالتحام، بل متشابهان يخشى كل منهما الانصهار التام.
أو قد نكون مرآةً يمكن جمع شظاياها لنصنع من الانكسار فناً، كـ
"الموزاييك"، حيث يُخلق الجمال من رحم الأشياء المنكسرة؟
تبدو كمن كفر بالضوء واستوطن الظلام،
أو كمن عبث بالألوان طويلاً حتى تحولت حياته إلى لوحة تداخلت أصباغها حد النشاز.
تتأرجح صورتك بين رجل متمرد باذخ الأنانية، ومراهق مراوغ يختبئ خلف متاريس
الكلمات، وثمة ما يجعلني أراك كطفلي، كطفل ضلّ طريقه؛ فرغم الدهاء الذي يلمع في
عينيك، لم يفلح شيء في حجب تلك الومضة التي ألمحها بين الحين والآخر: ومضة ابني الخائف
المتردد الذي يبحث دائما عن الدفئ. أم أنني أنا من تختلق ما لا وجود له؟
أو لعلك الزاهد الذي سئم ضجيج الأرض،
فيمّم وجهه شطر سماء بلا صراعات، ثم يعود خلسةً إلى المستديره يبحث فيها عما اضاع؟
أم أنك صياد الفرص الذي يرفض الاستسلام والهزيمة؟ من أنت من بين كل هؤلاء؟ الأرجح
عندي أنهم جميعاً تواجدوا في تفاصيلك، فصنعوا ذلك الـ "أنت"؛ رجل
التناقضات والألوان المجتمعة، المتفرد، الباذخ في كل شئ، مزدحم التفاصيل والصفات،
غني الطبائع، مجتمع الشخوص، الواقف الآن أمام الشمس.
تعترف بأنك "رجل سيئ"..
ارتكب من الخطايا ما لا يُحصى. ترى في نفسك الظلام، بينما أرى فيك نوراً خافتاً
يأبى التجلي. لماذا تتمسك بالعتمة؟ لماذا تصر على الوقوف أمام الشمس؟
— "ممكن تِغَيّر وقفتك؟ تتحرك شوية..
تعالَ كده، مش باين من الشمس".
لا تتحرك. هل لا تسمعني أم لا تراني؟
غارقٌ أنت فيك
أُغير أنا وقفتي، أحيد عن مكاني،
أحاول بشتى الطرق أن أضيئ الصورة.. أتحرك، أراوغك وأراوغ الشمس.. ألتف، أُمسك
بهاتفي، أصوبه باحثةً عن الضوء.. وأخيراً أفلح.. أضغط الزر.
أفتح الصورة فأراها مهتزة.. لم تأتِ
كما تمنيت
. أعود إلى موقعي الأول؛ أنت تقف.. وخلفك الشمس.
No comments:
Post a Comment