2025/11/09

ذوبان

قطعةٌ من الثلج،
خرجت للتو من الفريزر، تستقرّ بين كفّيك.

باردة... لدرجة الألم.
قاسية.
رغم صغرها، تؤثر على كل مناطق الشعور في يديك.
تراقبها بعينيك.
في هواء الغرفة، في دفء العيش، تبدأ بالتحوّل.
تستمد من دفئك، ومن طقس المكان، حرارةً لم تكن تعرفها.

تقلّ برودتها، شيئاً فشيئاً.
الألم الذي شعرت به... يصبح أخف، حتى يكاد يختفي.
وهي أيضاً، ملامحها... خصائصها... تلك التي عرفتَها، تتلاشى.
بين يديك. في كفّيك..
بتأثيرك... الذي ربما تجهله.
بحرارتك الداخلية، تلك التي لا تنتبه إليها.

تسيح. تذوب. تخرّ. تسقط.
تتبدّل.

تتحول إلى شيءٍ آخر.
 تندمج في يديك. تتغلغل. تسري في مسام جلدك.
تقترب جداً منك.
تنظر إليها... ولا تصدّق. متى حدث التحول؟

تشعر بها... ماءً يحاكي حرارة جسدك.
لا ألم. لا برودة.
ماءٌ ينساب بسهولةٍ بين أصابعك.

تبتسم أنت
 ولا تصدق.
 
متى بدأ التحول؟

لا ينتهي الليل

القمر في السماء يطلّ،
والعين تلمحه،
ثم تلاحقه،
تتبع خطواته بين السحاب والنجوم.

السماء تُضاء،
والهواء عليل،
والروح تشعر بما لا يُقال،
والجسد يستكين بعد أن تغطيه قشعريرة الشعور.

ورائحة الهواء محملة بعبق الفل التي تشبثت به حين مر فوقها..
والأنف تتنفسه، لأ بل تستنشقه.

والنجوم لا وجود لها ولا ظهور.
والأرض ساكنة،
والأشجار متحركة.
والوجوه مختبئة في الغرف المغلقة،
والنوافذ مقفلة،
والأنوار؟ مظلمة...

والعقل يبدأ في سبر الغموض: كيف؟ متى؟ ولماذا أنا هنا؟

والنوم؟
النوم يغيب،
والسهر يطول، بل يدوم.
 والليل يسود،
والأفق يضيء،
يضاء أكثر فأكثر..
والعين لا تفهم من أين تأتي الأضواء.

والبال شريد،
والنفس تطلب، لكن ضميرها يمنع.
والذهن يغرق بين الممكن والمستحيل،
بين تغير المشهد، ودوام المستحيل.

والاشتياق يزداد… حتى يصبح الشعور المسيطر.

القمر يظل مطل،ينعكس حضوره في الأعين المفتوحة،
والنظرات الناعسة تحملق فيه حتى يندثر،
ويذوب في طبقات السماء، ويختفي.. .

وتستبدل الشمس مكانه،
 ترتفع،
 تستدير،
وتغير التوقيت،
تخبر العين المتوقظة بالغياب،
بانتهاء طقوس الليل والسهر.

لكن: لا شيء يتغير، حتى لو تبدلت الألوان، حتى لو خفتت الأضواء، حتى لو انقضت الساعات.حتى لو بدأ النهار.

فالحقيقة..
أن الليل...بعده
 لم ينتهي.

2025/11/05

الحظ

جميعهم يتحدثون بالنبرة وباللغة ذاتها، وبالمصطلحات نفسها.
يكررون المعنى ، ويؤكدون المغزى نفسه، ويدورون حول الفكرة عينها.
يحيلون آرائهم إلى حقائق، ويقذفون بها أمامنا بثقة مطلقة.

كان حديثهم عن كاتبٍ شهير نال جائزة أدبية كبيرة.
لكنهم لم يروا في فوزه سوى "ضربة حظ"، وكأن الموهبة لا وزن لها، والخبرة لا اعتبار، والإتقان لا مكان.
في رأيهم، لم ينل الجائزة لأنه يستحقها، بل لأن الحظ شاء ذلك.

استمعتُ إليهم في صمت. لم أقرأ لذلك الكاتب، ولا أعرف الكثير عن الجائزة،
لكن شيئًا في أحاديثهم استفزّني.
ربما كانت نغمتهم التهكمية، أو طريقتهم في تحويل آرائهم إلى مسلّمات،
وربما كان السبب أعمق من ذلك: فكرة الحظ نفسها.

هذه الفكرة التي كثيرًا ما راودتني، ثم هربت منها كل مرة لأنني لم أجد لها إجابة.
هل يوجد حقًا ما يسمى "الحظ"؟
هل يولد بعض الناس بأقدار أوفر من غيرهم، فينجحون لا لأنهم يستحقون، بل لأن الحظ حالفهم؟

وما هو الحظ أصلًا؟
أهو تلك القوة الغامضة التي تهبط على البعض من غير سبب؟
أم أنه محض صدفة تتنكر في هيئة قدر؟

أرفض هذه الفكرة، لأنها تعني – ببساطة – أن الحياة غير عادلة.
أنها تمنح شخصًا ما نعمة بلا سبب، وتحرم آخر بلا سبب.
وهذا يتناقض مع عدل الله، الذي خلق الحياة على ميزان الحكمة والتقدير.
لو كان الحظ كما يصوّرونه موجودًا حقًا، لكان وجهًا من أوجه الظلم.
فكيف يسود العدل إن أقررنا بوجود قوة عمياء تمنح وتمنع بلا منطق؟

نظرتُ إلى السماء وسألت نفسي:
ما الذي يدفع الناس إلى التمسك بفكرة الحظ؟
هل هي وسيلتهم لتبرير الفشل؟
هل يقولون "حظنا سيئ" ليخفوا عجزهم، وينسبون نجاح الآخرين إلى "حظ جيد" ليخففوا عن أنفسهم وخز المقارنة؟

أهو الحظ شماعة نعلّق عليها ما لا نفهمه؟
أم أنه، كما يظن البعض، حقيقة غامضة تتجاوز وعينا؟

وربما... ربما نملك جميعًا نوعًا من الحظ، لكن بأشكال مختلفة.
فالحظ ليس قطعة واحدة يتقاسمها الناس، بل هو طيف من النعم يتوزع بطرق شتى.
حين نقارن "حظوظنا" بما عند الآخرين، ونغفل ما نملكه نحن، نصنع لأنفسنا الوهم ذاته الذي نحاربه: وهم أن الحياة ظالمة.

أمسكت هاتفي، فتحت الملاحظات، وبدأت أكتب:
ما هو الحظ حقًا؟

ثم أدركت شيئًا :
ربما كان حظي هو أن أعبّر عن نفسي بالكتابة،
حتى وإن كنتُ أفتقد طلاقة التعبير بالكلام.

فهل أنا أقل حظًا... أم أن هذا هو حظي الحقيقي؟

2025/11/04

لحظة اشتياق

 لا غيوم.
 لا ظلام.
شمسٌ مشرقة،
 وسماءٌ تبدو أصفى من أي نهارٍ .

ورغم ذلك، تشعر بقطراتٍ مبللة تلامس جسدك.
 تعرف الشعور،
 فترفع عينيك إلى السماء... فترى الماء يهطل.

فتفهم.
إنه المطر.

تقف،
بينما تنزل المياه فوقك مباشرةً.
تدخل في عينيك،
 تلامس وجنتك، خدَّك، وتمر فوق شفتيك.
فتخرج لسانك لتتذوق،
فلا تجد له طعمًا.

لا تهتم بالطعم.
تقف حيث أنتَ، تستقبل الشعور كما هو، كما جاء...
في غير توقيته، أو أوانه، أو توقعك .

تستقبل المياه،
وهي تسقط ببساطةٍ (متعمدةٍ ربما؟) فوقك.
 تتبلل،
ولكنك لا ترغب في أن تزيل قطرات الماء عنك.
تتركها اثبات
اثر
دليل
فوق مسام جلدك.

أين أنت؟ ماذا تفعل؟ كم ستبقى هنا؟
 لا يهم...

تكفيكَ اللحظة. وما اللحظة؟ ما الهدف منها؟ ما الطائل وراءها؟
 لا يهم...

تقف... تحت المطر.
...تغمض عينيك .
وتستقبل الشعور كما جاء
كما هو

لو...لماذا

 يُقال لنا دائماً إن "لو" هي الكلمة التي تفتح الأبواب للشيطان. هي مفتاح الندم، وبوابة السخط على ما كان. إنها الكلمة التي تنفث في عقولنا سيناريوهات بديلة لماضٍ انقضى، فتجعلنا أسرى لـ "ما كان يمكن أن يكون"، وتُشعل فينا ناراً لا تهدأ، تمنعنا عن الرضا، وربما تدفعنا للثورة على أقدارنا.

لكن، ماذا عن "لماذا"؟

تلك الكلمة المكونة من خمسة أحرف، والتي أظنها لا تقل خطورة، بل ربما تفوقها. "لماذا" لا تكتفي بفتح باب واحد، بل تشرع أبواباً لا حصر لها في متاهة الوجود.

لماذا حدث هذا لي؟
لماذا أشعر بهذا الفراغ؟
لماذا أقابل هؤلاء الأشخاص دون غيرهم؟
لماذا تتغير الحياة بهذه القسوة أو بهذا الجمال؟
لماذا يفعلون ما يفعلون؟
لماذا أنا... هكذا؟

فهل "لماذا" هي الأخرى مفتاح لوساوس الشيطان كما "لو"، أم أنها، على العكس، هي الأداة التي تفتح عقولنا للتفكير في الحياة، في أنفسنا، وفيما حولنا؟

الفارق بين "لو" و"لماذا" هو الفارق بين الماضي والحاضر، بين الندم والبحث.

"لو" هي محاولة بائسة لتغيير الماضي. إنها كلمة سلبية، ترتكز على ما فات وانتهى. هي التفاتٌ دائم إلى الخلف، يعمينا عن رؤية الطريق أمامنا. إنها "عمل الشيطان" لأنها تزرع اليأس وتغذي السخط على ما لا يمكن تغييره.

أما "لماذا"، فهي كلمة فاعلة، فضولية، باحثة. إنها لا تحاول تغيير الماضي، بل تحاول كشف الحاضر، وفهم آلياته، وربما استشراف شكل المستقبل. "لماذا" هي محرك الفلسفة، وبداية الوعي الذاتي.

أعترف أن سبب كتابتي عن "لماذا" هو هروبي الدائم منها. لدي اقتناع راسخ بخطرها، وخوف أصيل من التعمق فيها.

أظنها تسحبنا إلى مناطق مظلمة وعميقة، مناطق ربما ليس من المجدي أو المثمر الإبحار فيها. نغوص بحثاً عن إجابات، فنجد أنفسنا في فراغ أكبر، وقد لا نصل إلى شيء. إنها الرحلة التي قد تستهلكنا دون أن تمنحنا يقيناً.

لكن في الوقت ذاته، أجد نفسي واقفة أمامها كثيراً. وفي لحظات صدق نادرة، توصلني "لماذا" إلى أشياء لم أكن لأكتشفها أبداً، تكشف لي طبقات من ذاتي ومن الحياة لم أكن أعلم بوجودها.

 لكن، هل تعرف ما التشابه الحقيقي بين "لو" و"لماذا"؟ -في رأيي-؟

إنهما وجهان لعملة واحدة: أنك لا تُسلّم.

كلتا الكلمتَيْنِ تنبعان من مكان واحد، من عقل يرفض القبول البسيط. "لو" ترفض التسليم بالماضي، و"لماذا" ترفض التسليم بالحاضر كما هو.

في كلتا الحالتين، أنت تحاول أن تفهم ما وراء الظاهر، ربما لأنك لا تثق بالكامل في "ما يحدث" أو "فيمن يُسيّر ما يحدث". أنت تحاول أن ترى خلف ما لا يُرى غالباً. أنت تشغل عقلك أكثر من اللازم، وتحاول أن تعرف أكثر مما أنت مطالب بمعرفته.

وهنا يكمن الجواب الحقيقي. ربما ليس الخطر في "لماذا" نفسها، بل في الإجابات التي قد نجنيها.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ"

ربما هذا هو لبّ المسألة. ربما الكشف لن يروق لنا دائماً. لن ينصف الجزء الهش بداخلنا، ذلك الجزء الذي يصبو إلى المعرفة الكاملة، ولكنه في الوقت ذاته يخشاها.

"لماذا" تفتح باباً، نعم، ولكن ليس بالضرورة باباً للشيطان، بل باباً للمعرفة. والمشكلة أن المعرفة، أحياناً، تكون أثقل وأكثر إيلاماً مما يمكننا تحمله. نطلب النور، وحين يأتي، نُصاب بالعمى.

2025/11/02

توقف... هدنة

ماذا لو توقفنا قليلًا؟
ماذا لو كان بامكاننا أن نطلب من الحياةِ هدنة، أن نضغط على زر الإيقاف المؤقت، ولو للحظة واحدة؟

أن نبتعد عن خشبة المسرح، نترك أدوارنا، ونختار مقعدًا بعيدًا في صالة المتفرجين.
أن ننظر إلى حياتنا بعينٍ محايدة، وكأنها عرضٌ لا يعنينا.
نحدّق في تفاصيلها الصاخبة، في ملامحها المتغيّرة، دون أن نفعل أو ننفعل. دون أن نتأثر أو نؤثّر.

ماذا لو طلبنا منها أن ترفع إشارتها الحمراء في وجهنا، فتجبرنا على الوقوف؟
أن تمنحنا ترف "اللا قرار" و"اللا حركة"؟

هل تمنحنا الحياة هذه الرفاهية؟
هل تسمح لنا أن نتفرّج عليها من بعيد دون أن تجرّنا إلى مركز دوّامتها؟
أن نقف عند حدودها ونراقب مجريات أحداثها دون انغماس؟

أم أن طبيعتها تأبى علينا ذلك؟
هي لا تكفّ عن جرّنا.
هي تيارٌ جارف لا يقبل بالحياد.
تطالبنا أن نركض، أن نلهث لنلحق بإيقاعها المتسارع.
أن نواكب دورانها الأبدي ونتصالح قسرًا مع تغيّراتها.
وتهدّدنا بأن ثبات اليوم هو غرق الغد، وأن التوقف هو بداية الاهتزاز.

لكن... إلى أين نركض؟
من نُطارد؟
ولماذا كل هذا الجهد في سباقٍ لا نعرف خط نهايته؟

لقد عشتُ طويلًا بقاموسٍ محذوفٍ منه كلمتا استسلام وانهزام.
لم تكن قناعةً، بل اتفاقًا سريًا عقدتُه مع الحياة: "لن نتوقف".

سقطت؟ أكثر مما يمكن إحصاؤه.
لكنني حوّلت السقوط والنهوض إلى كلمتين مترادفتين.
لحظة الارتطام كانت تليها مباشرةً لحظة الوقوف.
لا مجازًا، بل حقيقة.
لم أكن أمنح نفسي شرف الألم أو رفاهية التأمل في الجرح.
كنت أنهض، حتى وإن كانت قدماي ترتجفان وعقلي يهتزّ من هول الصدمة.

تلك كانت استراتيجيتي للبقاء: الحركة الدائمة.

لكن اليوم... تهاوى الاتفاق.
لم يكن قرارًا مدروسًا أو اقتناعًا عقليًا، بل.
"انقلابًا" قاده الجزء المنهك فيَّ، المرهق من الركض العبثي خلف "اللاشيء".

ذلك الجزء الصامت الذي طالما راقب دون أن يتكلم.
طالما استسلمتُ للأصوات الأخرى، العالية، الصارخة في داخلي:
"لا تتوقفي. إن توقفتِ، ستنسين كيف تمشين."
"إن نسيتِ، ستبقين في آخر الصف، وحيدةً على الأرض."
"لا تعتادي  التوقف، فهو يُورِث خمولًا أبديًا."

ولم أتوقف.
حتى إنني لم أسمح لنفسي أن أراه كخيارٍ متاحٍ على الطاولة.
كنت أردد كالببغاء: الحياة لا تمنحنا رفاهية التوقف.
ولا أعلم إن كنت أصدّق ذلك أم أكذب على نفسي لأواصل الركض.

في الآونة الأخيرة، حين شعرت أن المضيّ لم يعد ممكنًا، بل صار مستحيلًا،
حين أنهكتني المطاردة،
أدركت أن السير لم يعد خيارًا.
لم أعد قادرة.

والمفاجأة؟ أنني توقفت.
رغماً عني.
بلا طاقة، بلا رغبة، بلا جدوى.
توقفٌ كامل.

توقفت... وأنا أنظر الآن حولي.
أحاول أن أحرّك قدمي، أن ألمح بصيص ضوءٍ في أفقٍ بعيد، أن أمضي خطوة واحدة... ولا أستطيع.

ولا أدري... هل المشكلة في الطريق نفسه، أم في أنني تجاوزت حدود قدرتي على المسير؟
هل هذا سقوطٌ نهائي، أم أنها "هدنة، استراحة" طال انتظارها؟

أيًّا يكن، فالحقيقة أن ما أكتبه الآن هو أكثر ما سطّرته سوادًا.
لكن... حتى الكتابة باتت ثقيلة،
كأنني أرغم يدي على حمل القلم.
وعلى ربط الحروف

وربما... لهذا تحديدًا أكتب هذا النص.
أكتب، ليس لأني أعرف ماذا أكتب،
بل كي لا أكون قد توقفتُ تمامًا.
إنها آخر أشكال الحركة المتبقية لي.
وهي ما لا أريده أن يتوقف أبدا...

2025/11/01

التغيير الذي لا نحبه

 عتقد أن لا أحد يختار التغيير؛ بل إننا لا نتقبله بسهولة، وقد نرفضه من الأساس.
إنه من تلك الحقائق التي لا نرغب في الاقتراب منها أو أن يلمسَنا، فنرصُدُ أمامه أبواب عقولنا وحواجز قلوبنا وأسوار تقبّلنا.
نَهَاب أي طريق سيؤدي إليه، ونرفض أي قرار يقوِّض نحوه، ونوقف أي حديث يأخذنا إليه، ونمنع أي تخطيط قد ينتهي به. نحن نمارس منعاً ذاتياً عن التغيير، وفي الغالب، هو من تلك الأشياء التي يجب أن تأتي رغماً عنا، تُفرض علينا فَرْضاً، كقَدَر لا مفر منه أو كتيار جارف لا يمكن مقاومته. إذا لم ينطبق كلامي هذا عليك، فأنت من القلائل الشجعان، أولئك الذين لا تُقلقهم تقلبات الحياة وتغيراتها.

 أما أنا، فأرى في التغيير ليس فقط وجه المجهول، بل هو ذهاب نحو ما لا نعرفه، أو لا ندركه، أو لا نفهمه، ولذلك أرتاح لفكرة الروتين والاستقرار والثبات، إلى النتائج المعروفة، والطرق الموصوفة سلفاً، والوجهات المحددة. وهكذا عشت، وهكذا أحاول أن أعيش.

لكن رغم طريقة الحياة التي أحبها وأحاول أن أتمسك بها، لا يوجد ضمان على بقائها.
 التغيير يأتي، دائماً، وفي كل مرة جاء فيها فهمتُ الدرس جيداً: نحن نلتقي بما نخاف، وإن الثبات مستحيل، وكل ما نرفضه يتكرر حتى نتقبله. إن التغيير ليس مجرد حقيقة قائمة في الحياة، بل هو أعمق من حقيقة وجودي ذاته. أنا أتغيّر، وسأظل أتغيّر حتى أغيب تماماً، وسيبقى التغيير كضوء كاشف يقع على من يختار، فيُرغِمه على أن يتغيّر.
ربما نحن نحب التغيير أكثر مما نظن، وأكثر حتى مما نعرف! لكننا نخافه ونخشاه أكثر من أي شيء آخر.

 لقد بدأتُ أعرف تفاصيل قدومه، وأشعر باهتزازات الأرض؛ هو لا يأتي عبثاً، ولا ليُغضبنا، بل يأتي ليُرغِمنا على التخلّص من شيء والمضي نحو شيء آخر، وربما يأتي قصراً لمن هم أضعف من أن يتغيّروا من تلقاء أنفسهم، فيأتي هذا الإرغام ليحمل معه مفاجآت وعطايا لا نكتشفها إلا بعد حين.

ولكن ماذا إذا رفضناه؟
 كيف ستتصرف الحياة؟
هل ستمنحنا إمكانية الاختيار، أو التوقف، أو الامتناع عن التغيير؟
أم أنها ستقسو وتقسو وتقسو حتى نعي أن لا مفر؟
ولأن كل ما أكتبه ليس سوى تجارب شخصية قد تحمل كثيراً من الخطأ وقد تحمل شيئاً من الصواب، فسأخبرك بأنني أصبحت أخاف ألّا أتماشى مع التغيير حين يأتي أكثر من خوفي من المضي فيه
 فبتُّ لا أنتظر أن يأتي بوجهه الكامل، بل أحدّث تحركات البحر من بعيد فأفهمها، وأحاول أن أتحرك على أثرها قبل أن يتحول البحر إلى عاصفة أو تسونامي تقتلع قصراً ما تراه أمامها. لازلت أخاف التغيير وأطوق لذلك الاستقرار الافتراضي، وربما نحن لا نتعلم تقبل التغيير من التغيير، بل من إرغام الزمن للاستغناء.