أن تستقر…
ما معنى ذلك حقًا؟
والآن… سأكتب تجربتي كما عشتها، سأجردها أمام نفسي.
أن تستقر…
ما معنى ذلك حقًا؟
والآن… سأكتب تجربتي كما عشتها، سأجردها أمام نفسي.
أن تتقبّل الآخر يعني أن تمنحه المساحة الكاملة ليكون هو...
أن تمنحه حريته:
حرية الفكر، والمعتقد، والإيمان. حرية الهوية والقرار.
أن تمنحه الأمان ليظهر كما يريد، دون أن يرهقه التفكير في نظرتك إليه.
عندما نتقبّل، نحن نحرّر الآخر من القلق
من ذلك السؤال الخفي القابع في ذهنه: هل سيرفضني؟ كيف سأبدو في عينيه؟
ومع هذا القلق يبدأ الإنسان بالمراوغة أو التغيّر أو التخفّي… فيتحوّل إلى نسخة صُنِعت لترضيك،
لا النسخة التي هو عليها حقًا.
وحين يفعل ذلك، فهو لا يعود قادرًا على أن يشعر بالحب أو يمنحه... لأنه، في حقيقة شعوره وفي عمق جوهره، خائف لا محبّ. يحاول أن يسترضيك… لا أن يحيا بإنسانيته الكاملة.
بل وقد يتكوّن في داخله جزءٌ خفي — لا يعرفه هو نفسه — يمقتك لأنك تقيده، أو لأنك تضع شروطك عليه…
وهل يمقت الإنسان شعورًا أكثر من شعور “الحب وفق شروط”؟
وحين نتقبّل الآخر بصدق، فإننا نمنحه حريته كاملة. والحرية في جوهرها هي ملامح الإنسانية.
أن تكون حرًا يعني أن تحيا كإنسان.
والحب هو التقبل.
هو الحرية.
هو الإنسانية.
أن تُحب شخصًا بصدق يعني أن تتقبّله "كما هو". أن تتقبّل اختلاف فكره ووجهة نظره، لا أن ترفض حقيقته أو كيانه. وحين تمنحه هذا التقبّل، فأنت تمنحه حريته؛ وعندما يشعر بأنه حرٌّ معك، يصبح هو نفسه أكثر قدرة على الحب.
أمّا حين تضع قيودك على شخص ما - قيودك الفكرية أو شروطك الإلزامية لحبه - فأنت في الحقيقة تُخيفه. أنت تُعيقه عن "أن يكون". حينها، هو لا يعود يحبك بقدر ما يخاف ويخشى أن يخسرك.
يصبح كالمهرج في السيرك، الذي يمشي فوق الحبل، لا يركز إلا على ألا يختل توازنه. يصبح تفكيره منصباً على خطواته أكثر من حقيقة ما يشعر به. إنه يخاف السقوط والإساءة في العرض، أكثر من استمتاعه بالرحلة ذاتها.لا حبّ بدون "تمام التقبل". ولا حبّ بدون حرية ولا حب يداخله الخوف.
كلما ركّزنا على شيء لم نحصل عليه، وكلما جعلناه غايتنا الكبرى وصارت حياتنا تدور في فلكه، ازداد بُعدًا، كأنه يفرّ كلما اقتربنا.
كيف؟ ولماذا؟ وما السر؟
لا أعرف على وجه اليقين، لكنني أظن أن هناك قانونًا أرضيًا ينكر ما يسمّونه "قانون الجذب"، قانونًا يُعلّمنا أن الترك أحيانًا هو سبيلٌ إلى الأخذ، وأن الإسراف في الانفعال يصرف عنا ما نتمناه.
يبدو أن الركض خلف الأشياء يخيفها فتهرب منّا.
أو ربما يجعلنا نحن نصغر أمامها حتى نرى أنفسنا دونها، فلا تأتينا لأن جزءًا خفيًا فينا يرفضها لأنه لا يشعر باستحقاقها.
في كل مرحلة، كانت هناك أمنية أعلّق عليها رجاءً جديدًا. كانت الكاميرا في عقلي تركز على "النقص"، تكبّره وتقف عنده، فأحوّله إلى هوس أركض خلفه، أريده "بشدة" و"بسرعة"، فلا ألتفت لما حولي.
والخلاصة؟ كل ما ركّزت عليه بهذا الشكل، لم أحصل عليه.
فسألت نفسي: أهي الأقدار تعاندني؟ أم هو الحظ يخالفني؟
أم أنني كنت أسير ضد اتجاه قانون الحياة؟
لقد خبرتُ ثقل التعلق بأمنية واحدة تسيطر على القلب حتى تغيب الحياة من حولك؛ كل شيء يبدو ناقصًا وفارغًا لأنها لم تتحقق، فتسقط رويدًا في حفرة القنوط.
وفي المقابل، اكتشفت أن لا شعور يضاهي خفة الاستغناء؛ تلك الثقة المطلقة بالله وبالقدر، فيما سيأتي وما سيُمنع. القلب المستغني ليس قاسيًا أو باردًا، بل هو قلبٌ خفيف، امتلأ بأشياء أثمن من الدنيا وما عليها. قلبٌ فهم أن الهوس لا يقودنا أبدًا إلى ما نريد.
ولأن دروس الحياة لا تمنح بسهولة، فهذا الدرس سيأتيك من أكثر ما تتمنى؛ ما سيثقلك جدًا انتظاره، وما لن تحصل عليه. سيلي ذلك شعور القنوط، ولسان حالك يقول: "أنا لا أريد شيئًا، لأن أهم أمنياتي لم تتحقق".
وحين تظن بأنك بردت، وقنطت، ويئست... هنا، في تلك اللحظة بالذات، ستفهم.
ستدرك أنك أخيرًا تعلمت أن تستغني؛ ألا تتعلق، أن تفقد الأشياء أهميتها العارمة في قلبك. أن تمر على الأشياء... تتمناها، ولكنك لا تهوس بها. تترقبها، ولكنك لا تنتظرها بلهفة توقف حياتك.
تكمل الحياة وتدور معها،
لا تتوقف ولا توقفها.
تمضي، فتجدها تمضي معك.
تسعى، فتجدها تسعى معك.
ترضى بما أوتيت، فتجدها تراضيك.
وفي لحظة، تجد ما تمنيته سراً -ولكنك لم تتعلق به أو تركض خلفه أو تتوقف في انتظاره- قد جاءك هو، ووقف
أمامك مبتسمًا، وأخبرك دون أن ينطق:
"ألم تتمناني سراً يومًا، ولكنك لم تلاحقني علنًا؟
ما الذي يجعل بعض الناس أقلّ انفعالًا وأكثر قدرة على كظم الغيظ وضبط مشاعرهم؟
هل هو نقص في منسوب العاطفة داخلهم؟
هل هي قوة داخلية لا يملكها سواهم؟
أم أن محاولة الفهم والمقارنة أصلًا خطأ، لأن الأسباب كثيرة؛ تتشابك فيها ملامح الشخصية، والتربية، والخبرة، وحتى نوع الوعي؟
"حين تبدأ بالمشي، ينكشف لك الطريق."
قد تبدو هذه العبارة مألوفة، حتى شعاراتية أحيانًا، لكنها تحمل في طياتها مفارقة عميقة. التساؤل المشروع هو: كيف يظهر طريق من تلقاء نفسه؟ كيف تأخذنا أقدامنا نحو غاية ونحن لا نعرفها؟ وكيف، إذن، يمكن أن نمشي بلا رؤية واضحة؟
كل ما يُطلب منا هو شجاعة البداية، وصدق النية، والمضي قدمًا.
قد تبدأ طريقًا وأنت تظن أنك تعرف إلى أين تريد أن تصل، ثم تكتشف أثناء المشي أنه غير مناسب لك. الإصرار على المضي رغم وضوح الخطأ لن يوصلك إلى شيء. لكن البدء بنية صادقة، بخطوات واضحة رغم الغموض، هو ما يضمن أنك ستُقاد، سواء بتوفيقٍ داخلي أو "قدري"، نحو الغاية الحقيقية التي جئت الحياة لتنفيذها.
لكن في اللحظة التي ندرك فيها أنفسنا بما يكفي، وحين نصدق النية، يصدق الطريق وينكشف.
ربما الحقيقة الأعمق هي أن الطريق وحده لا يظهر، بل نحن من نتغيّر ونحن نسير فيه. إنه تشكيل متبادل؛ فكلما كان الطريق صحيحًا (أي منسجمًا معنا)، كلما اتسقنا نحن معه، وصرنا أكثر وضوحًا مع أنفسنا، وأكثر انسجامًا مع ما جئنا الحياة لنفعله.
قطعةٌ من الثلج،
خرجت للتو من الفريزر،
تستقرّ بين كفّيك.
باردة...
لدرجة الألم.
قاسية.
رغم صغرها،
تؤثر على كل مناطق الشعور في يديك.
تراقبها بعينيك.
في هواء الغرفة،
في دفء العيش،
تبدأ بالتحوّل.
تستمد من دفئك،
ومن طقس المكان،
حرارةً لم تكن تعرفها.
تقلّ برودتها، شيئاً فشيئاً.
الألم الذي شعرت به... يصبح أخف،
حتى يكاد يختفي.
وهي أيضاً،
ملامحها... خصائصها...
تلك التي عرفتَها،
تتلاشى.
بين يديك.
في كفّيك..
بتأثيرك... الذي ربما تجهله.
بحرارتك الداخلية،
تلك التي لا تنتبه إليها.
تسيح.
تذوب.
تخرّ.
تسقط.
تتبدّل.
تتحول إلى شيءٍ آخر.
تندمج في يديك.
تتغلغل.
تسري في مسام جلدك.
تقترب جداً منك.
تنظر إليها... ولا تصدّق.
متى حدث التحول؟
تشعر بها...
ماءً يحاكي حرارة جسدك.
لا ألم.
لا برودة.
ماءٌ ينساب بسهولةٍ بين أصابعك.
تبتسم أنت
ولا تصدق.
متى بدأ التحول؟