طاولةٌ صغيرة، وضجيجُ مقهى يعزلهم عن العالم.
اقترب النادلُ واضعاً الكوبين بتوازنٍ محسوب. كانت المفارقة حاضرة... فقد استقر أمامها كوبٌ من القهوة السوداء الصرفة، بينما وُضع أمامه كوب الـ "لاتيه" وقد رُسمت على رغوته "صورة قلب" متقن.
داعب حافة كوبه مبتسماً، ورفع عينيه إليها:
"لماذا جاء القلب لي؟"
لم تجب.
اكتفت برفع فنجانها، وارتشفت سواد قهوتها ببطء.
مر الوقت. هو يتحدث بحماسِ من يطرق باباً موصداً، وهي تجيب من خلف المزلاج. كلماتٌ مقتضبة، جمل قصيرة ونظراتٌ شاردة تتفقد الوقت الذي يذوب كما تذوب الرغوة في الكوب.
قهوته لا تزال ممتلئة، ورسمة القلب فوقها بدأت بالتلاشي.
فجأة، توقف عن الحديث.... وسأل:
"ما حكايتك؟"
تجمّد الفنجان في يدها بمنتصف الطريق.
للحظة، اهتز قناع الجمود، ولاحت في عينيها رغبةٌ يائسة في المصراحة.. ودّت لو تخبره أن هذا البرود محضُ زيف وادعاء، وأنها لا تهرب منه، بل تحمي نفسها من تكرار الغرق.
ضجّ رأسها بما لم تقُله:
"أنا أبتعد لأمنحك مساحة الرؤية... لترى إن كنت تريد حضوري حقاً، أم ترغب في الانتصار وإثبات التملك.. والفارق بينهما، هو الفارق بين الحب والاستحواذ".
لكنها ابتلعت ما تبقى من القهوة، وأعادت الفنجان إلى الطبق بصوتٍ مسموع، ثم قالت بنبرة مستهترة:
"لا حكاية.. من الأساس."
ساد الصمت.
لم يصدقها، لكنه لم يلح.
هربت من عينيه إلى الطاولة، لتلاحظ كوبه المنسيّ.
أشارت إليه قائلة لتكسر الصمت:
"القهوة بردت.. وماشربتش منها."
نظر هو إلى فنجانه، وإلى "القلب" الذي ذاب.
مدّ يده ببطء، رفع الفنجان البارد إلى شفتيه، وأجابها وهو ينظر في عينيها مباشرة:
"مش مشكلة.. هشربها."
ارتشف "البرودة" كاملةً، ولسببٍ ما.. شعرت هي بالدفء.