2026/01/30

برودة

طاولةٌ صغيرة، وضجيجُ مقهى يعزلهم عن العالم.
اقترب النادلُ واضعاً الكوبين بتوازنٍ محسوب. كانت المفارقة حاضرة... فقد استقر أمامها كوبٌ من القهوة السوداء الصرفة، بينما وُضع أمامه كوب الـ "لاتيه" وقد رُسمت على رغوته "صورة قلب" متقن. داعب حافة كوبه مبتسماً، ورفع عينيه إليها: "لماذا جاء القلب لي؟"
لم تجب.
اكتفت برفع فنجانها، وارتشفت سواد قهوتها ببطء.

مر الوقت. هو يتحدث بحماسِ من يطرق باباً موصداً، وهي تجيب من خلف المزلاج. كلماتٌ مقتضبة، جمل قصيرة ونظراتٌ شاردة تتفقد الوقت الذي يذوب كما تذوب الرغوة في الكوب.
 قهوته لا تزال ممتلئة، ورسمة القلب فوقها بدأت بالتلاشي.

فجأة، توقف عن الحديث.... وسأل: "ما حكايتك؟"
تجمّد الفنجان في يدها بمنتصف الطريق.
للحظة، اهتز قناع الجمود، ولاحت في عينيها رغبةٌ يائسة في المصراحة.. ودّت لو تخبره أن هذا البرود محضُ زيف وادعاء، وأنها لا تهرب منه، بل تحمي نفسها من تكرار الغرق.
ضجّ رأسها بما لم تقُله:
  "أنا أبتعد لأمنحك مساحة الرؤية... لترى إن كنت تريد حضوري حقاً، أم ترغب في الانتصار وإثبات التملك.. والفارق بينهما، هو الفارق بين الحب والاستحواذ".

لكنها ابتلعت ما تبقى من القهوة، وأعادت الفنجان إلى الطبق بصوتٍ مسموع، ثم قالت بنبرة مستهترة: "لا حكاية.. من الأساس."
ساد الصمت.
لم يصدقها، لكنه لم يلح.

هربت من عينيه إلى الطاولة، لتلاحظ كوبه المنسيّ.
 أشارت إليه قائلة لتكسر الصمت: "القهوة بردت.. وماشربتش منها."
نظر هو إلى فنجانه، وإلى "القلب" الذي ذاب.
 مدّ يده ببطء، رفع الفنجان البارد إلى شفتيه، وأجابها وهو ينظر في عينيها مباشرة: "مش مشكلة.. هشربها."
ارتشف "البرودة" كاملةً، ولسببٍ ما.. شعرت هي بالدفء.

2026/01/27

فشار

 أكلةٌ في غاية البساطة: الفِشار.

مكوناتٌ لا تكاد تُذكر: حفنة ذُرة، قطرات زيت، قِدرٌ .. ونار.

نُحكم الإغلاق، ننتظر، فتتحول تلك البذور إلى كينونة أخرى.
لكن.. ماذا لو طال أمدُ الاصطدام بجدار القدر؟ ماذا لو تركناها تتخبط هناك أكثر مما تحتمل؟

المشكلة ليست في حرارة النار،
 بل في "التوقيت".

حين نغفل عنها، حين لا نُطفئ النار في اللحظة الحاسمة، لا نصل إلى الفشار.. بل نصل إلى "الحرَق".
سوادٌ، ورائحة خانقة لا تزول،  تسكن الذاكرة وتتشبث بالمكان.
هكذا تماماً.. يطحننا الغضب.

الغضب هو كيمياء معقدة من حزنٍ مكتوم، وخوفٍ موارى، وقلقٍ طال أمد طبخه.
هو شعورٌ "مُقيم"، لا يمرّ بسلام كما تمضي بعض المشاعر الاخرى،
بل يُحدث فيك تصدعات، ويترك فيمن حولك ندوباً.

مأساة الغضب أنه كائنٌ "مُقنّع"
 لا يرفع الغطاء عن وجهه الحقيقي بسهولة، بل يتوارى خلف انكساراتنا، ويسكن ثنايا قلقنا.
وحين يخرج للنور، لا يظهر كألمٍ يحتاج احتواء،
بل يظهر كعدوٍّ نُسارع للهرب منه واخماده.

إن التخلص من الغضب لا يكون بمحاولة كبحه في لحظة الفوران،
 ولا بمصارعة ذروة الغليان.. فذلك أوانٌ قد فات...

النجاة الحقيقية تبدأ حين نلتفت إلى تلك البذور التي وُضعت في القِدر.. ولا ننساها.

اطمئنان

تترنّح المركبة.. تندفع.. أشعر بالموج يضرب القاع، يصل صداه في مسام جسدي، أسمع أنينه في الأعماق. أتشبثُ بالمقعد، أعصرُ بيدي الخشبَ الجامدَ خوفاً من سقوطٍ وشيك. أعتدلُ في جلستي، أحاولُ أن أنغرسَ في صلبِ الكرسي علّني أجدُ ثباتاً، لكنّ الاهتزاز لا ينقطع.. لا يقينَ هنا، والجسدُ يتحركُ دون إرادةٍ مني.

ورغم هذا الاضطراب، ما زلتُ—كما كنتُ دوماً—أعشقُ البحر. أحبُّ لونه، عبقه، رذاذه، وصورته، صوته وصفاته. أحبُّ أنفاسه المالحة وتقلّباته. حتى غدره.. تصالحتُ معه. وهل نتصالحُ حقاً مع الغدر؟ نعم.. حين نتصالحُ مع "الحقيقة".

لقد تصالحتُ مع وجهه القاسي، وبدأتُ أتعاملُ مع واقعه المجرّد دون أوهامٍ أو مخاطرة، ودون تجميل. لا أمنحهُ الأمان الكامل أبداً، وأبقى على حذرٍ كلما اقتربتُ منه. لا أطيلُ المكثَ في أعماقه؛ خشية أن يسحبني إلى جوفه فأغرق.. ولا أدري. حتى وجهه الليليّ بات يرهبني؛ فصرتُ أحبّه بشروط، بتعقّلٍ، بتروٍّ وبنضوج. أفهمه، أحبُّ فيه ما أحب، وأتجنّبُ منه ما لا أهوى. أما أن يبادلني الشعور؟ فلا يهم، لم يعد الأمرُ يعنيني في شيء. ما يعنيني اليوم هو أنني أراه بوضوح، بجميع حقائقه، عارياً من أي زيف.

أراقبه من فتحات القارب الخشبية، من تلك النوافذ الضيقة.. يبدو ثائراً، محتداً، غاضباً—وكأنه يقرأ ما يدور في ذهني، أو كأنّ غضبه نابعٌ من كوني كشفتُ قناعه ورأيته على حقيقته. أو ربما.. هذه هي طبيعته فحسب؛ لا شيء غامض، ولا شيء خارج عن المألوف.

وفجأة.. رفعتُ عينيَّ عن الماء. فصلتُ حواسي عن البحر، وأشحتُ بنظري عن ذلك "المحبوب" الذي سحرني يوماً وأبهرني... وقعت عيني على ذلك الجالس أمامي في سكون.. بلا صخب، بلا استعراض، بلا إبهار، وبلا مطالب.

أراه اليوم وكأنني أبصره للمرة الأولى. قائدُ المركبة.. الربان. يمسكُ بزمام الأمور، يقتادنا عبر المجهول، يحمينا ويحمي مأوانا الخشبي. تهاجمه الأمواج فيثبت، تترنح السفينة فيقاوم ويقوّمُ مسارها بلمسةٍ خبيرة. يسوقه الموج فلا ينساق، ويمضي في طريقه الذي اختاره منذ اللحظة التي قرر فيها خوض الغمار. يراقبُ الوقت، المؤشرات، والرياح.. لا يخافُ البحر، يفهمه فيواجهه بهدوءٍ واتزان.

أهكذا يكون الأمان؟ أن تدرك أن هنالك قلباً وروحاً تعمل لأجلك في صمت.. لأول مرة منذ زمن، أشعر بالسكينة تسري في داخلي، تتأصل وتتجذر. وتتعمق أستشعرها، أفهمها.. ليس كشعور حضن... بل كدفءٍ عارم.. كرائحة فانيلا.... كأريج يخرج من فوّاحة عطر جدتي القديم... كأن تقف في ليلة شتوية أمام مدفأة وجدتها صدفة... كأن تنام بهدوء بعد يوم شاق متواصل... كالوصول إلى منزلك الساكن بعد سفر مجهد... كصمتٍ يعقب الضجة...

اليوم، لا يهم أن نصل. يكفي أن أعرف أن هناك من يقود، من يتحمّل عبء العبور، ويمنحني الطمأنينة دون أن يرهقني بتفاصيل الطريق.

الموج يشتد. المركب يهتز. وهو هناك… ثابت.

البحر في الخارج يصرخ. وأنا هنا، لا أنظر.
في حضرة ثباته، أطمئن.

2026/01/25

خُطوط.. وخُطط

خُطوطٌ وخُطط.. تحرّكاتٌ فنيةٌ محسوبة، وهندسةٌ فكريةٌ محبوكة.
هو فنانٌ، رسّامٌ، وخطّاط..
رجلٌ يتقنُ الإمساك بأداة الرسم، أيّاً كانت.
يعلمُ أين يضعها، بأي هيئةٍ يخطُّ بها، وبأي جلالٍ يرفعها.. قبل أن يسكبَ حِبرها على الورق.

يدركُ "صاحبُ الصنعة" كيمياء المادة.... أيّ ورقٍ يختار، وأيّ حبرٍ يُلائم مَسامه.
يؤمنُ أن الحرف لا يستوي حرفاً إن لم يُرسم بدقّة، وأن النقطة قد تصنعُ فرقاً.. فناً.. أو شرخاً.
فالخطأُ على بياضه لا يُُمحى، بل يتركُ أثراً يحكمُ على الورقةِ بالتلف.

حين يبدأ، يعي تماماً من أي نقطةٍ ينطلق، وأين ينبغي أن يقف... فالإستمرار بعد التمام "جناية" في عُرف الفن.
 يفهمُ قيمة "التأنّي".. في الرسم، في الفعل، في القرار، وحتى في اللفظ.
يتعامل مع الورق برقةٍ بالغة، ويقضي ساعاتٍ في صمتٍ وصبر.. يتخيّل.. يتصوّر.. يحلل تناغم الألوان، ويدرسُ مفاصل الوصل بين الحروف.
 وقبل أن تلمس "القصبةُ" بياضَ الورق، تكون اللوحة قد اكتملت في ذهنه، ليطمئن أن تلك "الرقيقة" لن تلفظ ما سيُودِعُ فيها.


جلس..
 أحكم قبضته على قصبة الخط. عقلٌ يركّز، وعينٌ تُصوّب.. فكرٌ ينسج، وخيالٌ يكتمل.
حين استوت الصورة في ذهنه، أذن للحبرِ بمعانقة الورق.
حدث التلامس بمنتهى التمهّل، والتماهي، والرقة..
نقطةٌ.. فنقطة.. فمدّة.. فخط...فتشكّل الحرف الأول: "ا".
كأن الورقة انتشت بقدومه، فازدادت بياضاً ليظهر فيها.

رفع كفّه، لكنّ جسده ظلّ ساكناً، ونظره مُسمّراً في مكانه.
 هكذا كان، وهكذا أصبح.. رجلٌ يمتلك عينين تعرفان " مُستقرّ حِبره" من أول نظرة.. عينان لا تُخطئان.

بمنتهى الهدوء، رسم الحرف الذي يليه.. أمهل الحبر لكي يجف ثم أكمل.
الحبرُ الأسود لا يجورُ على حدوده، ولا يتحرك في غير موضعه.
كل شيءٍ دقيق.. رقيق جداً،
بلا عنفٍ، أو تصادمٍ، أو إرغام.
ينساب.. ينطلق..
لا تجاوز.. لا خطأ.. لا شيء في غير مكانه.
كل نقطة حبر وُضعت لتتناغم مع الورق، لتتسلّل إلى مسامها، تُداخلها، تغوص فيها، وتُجمّلها.. دون أن تثقلها.
لا تنافر، لا اختلاف.. بل امتزاجٌ فني رغم تضادّ الألوان.

سار بأصابعه نحو الخطوة الأخيرة،
وضع الهمزة الختامية.
اكتملت اللوحة
تراجع قليلاً، ونظر إلى ما صنع.
وقرأ الكلمة التي حوّلت الورقة إلى لوحةٍ يمتلكها: احتواء.

2026/01/22

مبدأ الجبناء

 ما هو مبدأ الجبناء؟

أن تفعل ما تريد في الخفاء،
أن تتوارى خلف قناع،
أن تختبئ عن العيون،
ألا تُمسك بك الأيدي،
ولا تلمحك الأبصار.

أن تظن العقول أنك فوق الخطأ،
معصوم…
فتتمادى.

مقياسك ليس أنت، ولا هو،
مقياسك هم.

هل سيكتشفونك؟
هل سيرون ما تفعله في خندقك المظلم؟
وهل يصل إليك أحد
حين لا تتصل بأحد؟

مقرونًا بالظلمة،
تعيش في المنتصف،
تتغذى على الخداع،
وتحيا أكاذيب
هي أخاديد من نار
تحرقك ببطء.

هذا هو الجبن الوحيد الذي أعرفه:
أن يكون خوفك
ليس من الموت،
بل من الحياة.

أن تخاف موت صورتك في أعينهم،
أن تخاف على موت الـ«أنا»،
فتفعل عكس حقيقتك،
حفاظًا على زيفٍ
تعرف أنه إن سقط،
سقطت معه.

والزيف،
وإن لم يسقط…
بلغتك،
بظنّك،
سيبقى.

وتسقط أنت.

تسقط من تحت القناع،
ويبقى القناع
لا شيء خلفه
سوى الفراغ.

قناعٌ
يُلبَس فوق الهواء.

الأمان

كقطٍ يرتجفُ في ليلٍ صقيعي، يبحثُ عن أي شيءٍ يستدفئ به.. فيجد سيارةً فيرتمي تحتها، طمعاً في دفءٍ ينبعث من عادمها...لا تخنقه الرائحة، ولا يثنيه القلق من أن تتحرك فجأة فيموت تحتها.. هو فقط يكتفي بدفءٍ فشل في أن يجده في مكانٍ آخر.

هكذا هو حالنا حين نستجدي الطمأنينة من أماكن قد تخنقنا، أو نتهشم تحت ثقلها، فقط لنهرب من برودة الخوف.

 ذلك الشعور العارم بعدم الأمان. من أين جاء؟ وكيف تسلل؟ أهو نتيجة خذلانٍ متكرر هشّم مرآة الثقة؟ أم هو شعورٌ نولد به؟ أم تراه يأتينا حين نظنُّ الدنيا بلونٍ غير لونها الحقيقي، فتصدمنا الحقيقة وتنتزع منا الشعور بالأمان؟

لقد عشتُ الخوف بكل تجلياته، وتجرعتُ القلق والحيرة والشك لأعوام. أستطيع الآن أن أصف لك طعم "اللا-طمأنينة" بدقة مَن أكل منها حدَّ الامتلاء السلبي.. كأن تُجبر على تجرع شيءٍ يفوق طاقتك ومقدرتك.

أما الأمان؟ فلا أعرف كنهه، ولا مكوناته، ولا مذاقه.. ربما ذقته قديماً ونسيته. كيف يكون؟ وأين نجد؟ أهو نظرة؟ بسمة؟ كلمة؟ أم التفاتة يقين؟ يقولون إن تأمن جانب أحدهم يعني أن تثق فيه، لكنني أظن الأمان منزلةً أسمى من الثقة بكثير.

الأمان هو أن تدرك يقيناً أن قلبك ومشاعرك وعقلك.. جميعها في حرزٍ حريز، لستَ بحاجة للحذر عليها. أن تتيقن بأنك لن تتوجع، ولن تتشكك، ولن تضطر للبحث خلف الكلمات عن ثقوب. الأمان ألا تخبئ شيئاً، وألا تغلق النوافذ، وألا تضع المحاذير والأقفال. هو ألا ترتعد خوفاً، وألا تشعر ببرودة الوقوف عارياً وسط عاصفة ثلجية.

الأمان هو أن يكفي الصمتُ ليؤكد لنا كل شيء، أن تكون النظرةُ كفيلةً بمنح الاستقرار، والكلمةُ وعداً، واللفظُ معاهدة. أن أمضي في الطريق وأنا على يقينٍ بأنني -وإن لم أصل- فلن أضلّ أبداً ولن أخيب.

سألتني يوماً: "ماذا تريدين؟ عماذا تبحثين؟"
 لم أجب حينها بوضوح.. لكن الآن، أعد سؤالك لآتيك بالخبر اليقين.
سأجيبك بمنتهى الثقة: "أريدُ الأمان.."

2026/01/18

تردد

   ما هو شعور التردّد؟

أن تخطو خطوة… فتتوقف عمرًا.
أن تمشي، ولا تُكمل المسير.
لا تعود من حيث جئت، ولا تمضي إلى حيث أردت،
 بل تقف عند نقطةٍ بين الاثنين، تفقد الرغبة في الذهاب… ولا تملك شجاعة الرجوع.
 ليس تراجعًا، بل شكًّا.
التردّد ينبثق من الخوف،
من أن لا تثق فيما أنت مُقبل عليه حتى يسيطر عليك القلق،
فيردعك،
ويمنعك،
 ويمسكك،
ويكبّلك.
كل سؤال يراودك بلا إجابة يُربكك، يُخيفك، يُردّدك… فيُوقفك.
 والتردد.. لذةٌ خفية، وفخٌّ من الاحتمالات.
 أحياناً، نتردد لأننا نعشق البقاء في "منطقة الممكن". أن تظل واقفاً أمام الأبواب المغلقة، يعني أن كل ما خلفها لا يزال ممكناً!
 أنت تخاف الاختيار، لأن الاختيار "قتلٌ" لكل الاحتمالات الأخرى.
 في التردد، أنت سيدُ كل الطرق، لكنك لا تطأ أيّاً منها. هي لذةٌ مخدرة.. توهمك بالامتلاك، بينما أنت لا تملك سوى الفراغ. 
التردّد أن تقف في محطة قطارات، تراقبها تمضي واحدًا تلو الآخر، ولا تصعد أيًّا منها، خوفًا من ركوب القطار الخطأ…
 فتختار ألّا تركب شيئًا على الإطلاق. فتظل متوقفًا، لا تصل.
وربما التردّد نتاج عمرٍ من التسرّع في الاختيار، من تراكم ما سُمّي يومًا «أخطاء». فقررت ألّا تتعجل… حتى انتهيت إلى التردّد.

وإن سألتني: أيّهما أخطر.. الخوف أم التردّد؟ سأجيب: الخوف يمنعك من البدء، أما التردّد فيجعلك تبدأ ثم يتركك معلّقاً .
تتجاوز خط البداية، لكنك لا تمضي ولا تعود.
 كأنك طائرةٌ أقلعت، ارتفعت، ثم فقدت بوصلتها لا تعرف كيف تهبط،
ولا إلى أين تتجه، ف تظل تحوم في سماء التيه.. حتى يُنهكها الهواء.
التردد اذا قد لا يكون غياب الفعل بل تعليق الفعل.   

2026/01/11

النرجسية كما أراها

 يعيش أغلب النرجسيين على السطح...
 يلامسون قشور الأشياء ويتحاشون جوهرها، فيرون الظاهر دون أن ينفذوا إلى العمق.
 فالعمق يهدد صورتهم المزيفة، وغرورهم يوهمهم أنهم مبصرون، بينما هم في الحقيقة لا يرون إلا بأعينهم، لا ببصائرهم. 

 يحكمون على المواقف بمقياس انفعالي بحت، إذ تقف الأنا حائلًا منيعًا دون التحليل أو التدقيق أو التعاطف
ميزانهم الوحيد في هذا الوجود هو أنفسهم: كيف اقترب الموقف منهم؟ كيف أظهرهم أمام الملأ؟ وكيف مسّ صورتهم التي يقدسونها؟
 ومن فرط هشاشة هذه الأنا، لا يحتملون أن يمسها أحد ولو بغير قصد.
إنها في داخلهم كيان زجاجي رقيق، يخشون عليه أكثر من أي شيء آخر… ولو تخلّوا عنه، لنجوا. 

 النرجسي مفارقة حيّة: ظاهره استعلاء، وباطنه خواء وانعدام ثقة.
لذلك يثور بعنف عند أي اقتراب... فكل نظرة تُحسب نقدًا، وكل كلمة عابرة تتحول في ذهنه إلى تهديد وجودي ماحق.
 ولهذا يشبّههم البعض بالشيطان، ذاك الذي لم يكن اعتراضه على السجود لآدم مجرّد عصيان، بقدر ما كان ذعرًا على المكانة.
لقد استشعر أن الأنا مهددة، وأن صورته ستتلاشى حين يرى العالمين يسجدون لغيره، فيبدو هو أصغر وأقل.
 ولعل كثيرًا من صراعات البشر الأزلية — من قابيل وهابيل إلى يوسف وإخوته — لم يحركها الحسد المجرّد وحده، بل حرّكتها تلك الأنا المتضخمة: الرغبة الجامحة في التفرد، والعلو، واحتكار التبجيل، حتى يغدو مجرد وجود الآخر خطرًا يستوجب الإقصاء.

 في النهاية، النرجسي لا يكره الآخر لذاته، ولا يغار منه حقًا... إنما يخوض صراعًا مريرًا مع نفسه، ومع صورته المهتزّة، ومع هوسه بالسطح والمكانة.

ولو التفت قليلًا إلى العمق، وواجه هشاشته بدلًا من تطويقها بأسوار وهمية
وشريطٍ من نارٍ يحرس صورة -فقط صورة- ويحرق من يقترب ،
لأصبح أقل نرجسية… وأكثر إنسانية.

2026/01/10

الخير

 النقيض لا يُقاوَم بمثله، بل يُكبح بضدّه
 فالنار لا تطفئها نارٌ، بل ماء،
والغضب لا يمتصّه غضبٌ، بل سكينة..
والشر لا يُهزَم بشرٍ يشبهه، بل بخيرٍ يُباينه.
تلك هي الحقيقة التي آمنتُ بها ومازلت: لا انتصار حقيقي يعبر من بوابة الانتقام.

فالشر إذا واجه شراً مثله تكاثر وتغوّل، وامتد أثره دون توقف.
ولهذا، لا أؤمن بالثأر، ولا بقانون "المثل بالمثل"، ولا بتلك العدالة الانفعالية التي يديرها البشر.

ولكن هل تصلح هذه المعادلة في كل زمان ومكان؟
ربما لا..
ولكن ، هل تنقذ هذه المعادلة إنسانيتك أنت؟ وهل هي مناسبة لك؟
إن كان مرادك استرداد الحق بالصراع، وإشباع "الأنا"، وإثبات القدرة على "مظاهرة الاستمرارية" في الأذى، فالخير حينها لن يُرضيك
 لأنك تبحث عن انتصارٍ خارجي في حلبة ملوثة.
وأعتقد أن أي شرٍ تحاربه بمثله سيلوثك مهما حاولت الحفاظ على نقائك.... فقد تجد نفسك تبرر أفعالك تحت مسميات "نصرة الحق"، بينما أنت تمشي -ولو سهواً- في الطريق ذاته الذي كنت تحاربه.

أما إن كان مرادك "النجاة".. إن كنت تسعى لكسر لسلسلة المشاحنات، وأن تتوقف عدوى الأذى عندك كي لا تغرق حياتك، فحينها تنجح المعادلة.

 لقد نجحت معي، ونجوت.
رغم أن قد يراها الآخرون بمنطقهم فشلاً أو ضعفاً، لأنهم يقيسون النصر بما يُرى، وبحجم الخسائر المادية الملموسة....
 أما أنا، فأراها انتصاراً للذات، وثباتاً على المبدأ واثباتا -من وجهة نظري- بأن معادلتي ناسبتني.

ما أكتبه ليس استسلاماً سلبياً،
بل هو إيمان بأن الخير يملك سلطة التغيير، أو على الأقل سلطة "تجريد الخصم من سلاحه أو من وقف استمراره".
فحين لا يجدون منك رداً، ولا محاولة مستميتة للانتصار، تتوقف معاركهم اضطراراً
 لأن الحرب تحتاج لطرفين لتشتعل، وهم لم يجدوا من يحاربون.

قد يعلنون انتصارهم ظاهرياً،
لكنك وحدك تدرك الحقيقة: كنت تملك القدرة على الأذى، وتستطيع توجيه الأسلحة، لكنك بكامل إرادتك قررت أن توقف الشر، بأن تتوقف أنت.

وتوقفت المعركة لا بالشر بل بالخير

2026/01/06

دفء

الدفء..

هو تلك الرائحة الناعمة التي لا تدري من أين جاءت،
لكنها تتشبث بالجسد، تتجاوز المسام،
وتستقر في الأنف لتغمر بقية الحواس.

هو ملمس القطن على الوجه،
وهو البخار الساخن المتصاعد من كوبٍ تحتضنه كفّاك،
يصعد نحو ملامحك، يلامس تفاصيلك،
فتغمض عينيك وتستسلم لشعورك به.

هو طعم قهوة ساخنة في صباح شتوي بارد،
حين ترتشف رشفة حذرة كي لا تحرق لسانك أو شفتيك،
فيعبر المذاق بسخونته حلقك،
ويصل سريعًا إلى أعماقك،
فتشعر أنك من رشفة واحدة… قد دَفِئت.

هو الشمس التي تبحث عنها في عصاري يوم شتوي،
لتمنحك بقايا دفئها قبل أن تغيب تمامًا.

وهو سخونة الفرن في منزلٍ فارغ.

ماذا لو كان الدفء طعمًا؟
مذاقًا لشيء، ما إن تضعه في فمك حتى يذوب…
تبتلعه، بينما يبقى طعمه، لا يرحل.

وماذا لو كان الدفء إنسانًا؟
نظرة، ابتسامة، التفاتة، صدق كلمة،
أو شعور يخرج من تفاصيله دون جهد… دون حاجة.
تغادره،
لكن الشعور الذي غمرك به لا يغادر.

والسؤال الأهم…
ماذا لو اجتمع الدفء بـ العتاقة؟
كيف ستكون الرائحة حينها؟
كيف سيكون الطعم؟
وكيف سيكون الشعور؟

أم يتحوّل الدفء من مجرد إحساس
إلى احتواء…
إلى حنان…
إلى شعورٍ حقيقي بالأمان؟

كأن الأرض والسماء وما بينهما
التقت عند درجة الدفء المثالية.

وكأن بطانية خفية تغطيك
وتحجب عنك الصقيع.

حينها، تتحوّل الروائح إلى عبق:
رائحة الأرض المبتلة،
والتركيبات العطرية القديمة.

وكل ما يمر في فمك
يصبح هنيئًا، مستساغًا…
يذوب.

أخبرني…
ما هو شعورك بعتاقة الدفء؟

هل هناك دفءٌ عتيق أصلًا؟
أم أنه مجرد تشبيه
لروح شخصٍ مررت به ذات شتاءٍ كثيف،
فمنحك… كلّ الدفء؟

2026/01/05

سطحية

حين أتأمل ما حولي، يلحّ عليَّ تساؤل: لماذا قُدِّر للأشياء أن تنقسم إلى ظاهرٍ وباطن؟ هل الغاية حقاً أن نرى الخارج فنحكم؟ أن نقرأ المواقف كما جاءت، ونمرَّ على الآيات والرسائل مرور الكرام دون أن نكبّد أنفسنا عناء الغوص في مقاصدها؟ هل خُلقنا لنكتفي بالشكل ونهرب من المعنى؟

أظن أن السطحية -في جوهرها- ليست سوى محاولة يائسة لجعل الحياة ملساء، سهلة... هي اختزالٌ لألوان الوجود اللامتناهية في لونين فقط (أبيض وأسود)، وقولبةٌ للمفاهيم في قوالب صمّاء لا تتغير ولا تشعر. وربما السطح ليس مجرد "خارج"، بل هو "خديعة الاكتمال"...ذلك الشعور الزائف بأننا "فهمنا" كل شيء، بينما نحن لم نمسس الحقيقة بعد.

لذلك، فإن نقيض السطحية في رأيي هو "اللا اكتمال". العمق هو تلك التضاريس الوعرة للنفس، العيوب التي نخجل منها، الأسئلة الحائرة التي لا إجابة لها.
 إن كل ما في جوف الأرض لا يغازل البصر ولا يستجدي المديح، وكل ما هو حيّ وحقيقي فينا يقبع خلف سطحٍ سميك يحميه ويمنعه من الانكشاف السهل. حتى الحقائق الكبرى، ومعاني القرآن، اختبأت وراء "لغة الكلمات" لتنتظر من يمتلك شجاعة التدبّر، وسرُّ الجمال الأعظم حُجب عن الأعين حتى يحين وقت الرؤيا لمن استحق.

الروح، الشعور، والضعف البشري.. كلها أشياء محفوظة في باطن الداخل. لماذا؟
ربما لأن العمق لا يحمل الجمال فقط... بل يحمل "قبح" المادة الخام
 إنه يحمل فوضى التكوين، ارتباك البدايات، وصدق التجربة الأولى....

إن سألتني الآن، بعد كل ما كتبت: كيف أرى السطحية؟ سأجيبك: هي كل ما هو غير صادق مع أصله، غير منسجم مع فطرته، وغير مستعدٍ لأن يكون "ناقصًا". وربما كل من تمسّك بالسطح، وتشبث بالقشور، كان في الحقيقة يبحث عن "سرعة الوصول" ، ويخاف —أكثر ما يخاف— من أن ينكشف، أو أن يكتشف الحقيقة.

ولكن، هل ثمة منطقة أخرى بين الظاهر والباطن؟ منطقة وسطى تربط بينهما؟
هل هذه المنطقة هي "الإنسان"؟
الذي يعيش على أرض "السطح" بينما هو مسكونٌ بـ "المعنى" وبكل ما هو مخفي وباطني؟
 وهل غاية الوجود وسرها الأكبر يكمن في الربط بينهما، أم في محاولة صهر الباطن والظاهر ليصبحا أقرب ما يكون للتطابق والتماثل؟

2026/01/04

شعور

وإن شَعَرْنا
استشعرنا جمالَ الأشياء،
وإن ماتَ الشعورُ بداخلنا
مِتْنا.

ما الشعور؟
أن تمرّ الأشياءُ أمامك
فتتسرّب خلالك.

ما خلفَ النظر،
وما خلفَ الحدث،
وما خلفَ الكلمة،
والشِّعر،
والجملة،
وما بينك وبين النفس…
يصير شعورًا.

هو ما يبقى في الذاكرة
دون أن تعرف لماذا.

أن تُغمض عينيك
فتحسّ،
أن تلمس شيئًا
فترقّ،
أن ترى ما تراه كلّ يوم
ولا يصحبك معه الفتور.

أن يتحوّل الطعم
من مرورٍ
إلى حدث،
والنبضة
من دقّة
إلى رَفّة.

حتى الماءُ الفاتر
حين يمرّ على جسدك
لا ينزلق،
بل يُسكنك.

أن يتأثّر جسدك،
وعقلك،
وقلبك
من شيءٍ خفيّ.

والشعوريتغذى على السكون
تشعر به زيادة
 حين يهدأ الداخل،
ويصير كالماء الهادر
بلا موج،
بلا صخب،
بلا ضجر.

فقط…
هدوء.

وطيورٌ تحلّق
في أفقٍ
بلا سحب،
كالهواء
حين ينسجم
فيكفّ عن الاندفاع

حينها
يسظهر الشعور
كقمرٍ مكتمل،

ككل شيء صافٍ
ككلّ بسيط

فائقِ التفاصيل.

ما هو الشعور إذًا؟
أن يغيب السبب،
ويبقى
للمسة،
وللكلمة،
وللنظرة،
وللرشفة،
وللحظة…
أثَر.

2026/01/03

أيهما ستختار؟

 ستختبرك الحياة.. ستختبر صدقك، ومدى ثباتك على موقفك.
هل تعيش حقيقتك؟ أم تردد كلاماً لا تعيشه؟

ستضعك الحياة أمام خيارين: أحدهما يشبه نسختك القديمة، والآخر أكثر اتساقاً مع جديدك.

خيارٌ "منطقي"، عقلاني.. يتوافق مع متطلبات الحياة وشكلياتها، تحبه "الأنا".. وتطمئن إليه.

وخيارٌ آخر.. يسير مع مسار الحياة الذي اخترته بقلبك، يختبر صدقك،
ومدى تمسكك بما تنادي به وتعيشه. لكنه يأتي نكايةً في "الأنا".. لا يُسعدها، لا يُغذيها، ولا يُنصفها.

فأيّهما ستختار؟
أن تصدُق.. وليكن ما يكون؟ أن تتمسك بالمسار، وتمضي في طريق بدأته ولا تعرف إلى أين سيقودك؟ أم تعود إلى الطريق الذي عرفته، وإن عدت من حيث أتيت.. فيكفيك الأمان؟

فأيّهما ستختار؟
الصدق مع نفسك.. ذلك "المجهول"، وإن أتى ضد المنطق والمعقول، ومناهضاً لكل ما عرفته؟ أم ستكذب وتختار المعروف المضمون، المرئي، ومحسوب النتائج اللحظية؟

ستختبرك الحياة لتتأكد أنك تعلمت درسك: أنك تلتزم بمسارك ولا تحيد، تلتزم بداخلك ولا تُقحم عليه ما لا يشبهه.
أنك فهمت.. أن المنطق ليس المقياس، وأن العقل ليس الفيصل، وأن للقلب استشعاراً دقيقاً.. يلتقط، فيُنذر
.

ستختبرك الحياة
لتتأكد من أنك تتبع قلبك، وصدقك، وتعيش حقيقتك.
تلتزم بمسارك.. ولا تحيد

 هذه هي النصائح التي أرددها على مسامعي يوميا، وأكتبها بحبري أمامي..
 كي لا أضعف في لحظةً، واسقط في الاختبار   .

2026/01/02

هوى حدس

أحيانًا، نتهم أنفسنا بالجنون لأننا اتبعنا قلوبنا،
وتمرّدنا على ما يُسمّى بـ المنطق ».
لكن… هل كنا حقًا بلا عقل؟
أم أننا اتبعنا منطقًا أعلى
لا تستوعبه الحسابات المادية؟

الحقيقة أن ما نسمّيه عاطفة
ليس دائمًا اندفاعًا ،
بل كثيرًا ما يكون حدسًا
نظام إنذار مبكر فائق الدقة.

إنه تلك البصيرة التي تخترق قشرة الأشياء،
وترى العمق.
ذلك الصوت الخافت الذي يهمس:
«غادر الآن»،
«هذا الطريق لا يشبهك»،
«هناك خطأ ما… رغم اكتمال الصورة».

نحن نتبعه ونظن أننا نغامر،
لنكتشف لاحقًا
أننا كنا نصغي إلى
صوت يعرف أكثر مما نعرف.

كان
صوت العاطفةً المبصرة؛
تجلّيًا لذلك القلب الذي يعقل
يرى ما لا تراه العين
ويفهم ما تعجز عنه المعادلات.

فالحدس، في جوهره،
ليس نقيض العقل كما نظن،
بل شكله الأعمق.
عقل،
يجمع الإشارات،
ويحلّل التفاصيل،
ويصل إلى النتيجة
قبل أن تكتمل المعادلة.

ومع ذلك، تكمن المعضلة الحقيقية في التمييز.
 كيف أعرف أن هذا الصوت حدسٌ صادق، وليس هوىً متخفٍ؟
هل يخاطبني وعيي؟
 أم أن رغباتي ارتدت عباءة الحدس لتغويني؟

 فالمشكلة ليست في أن الهوى نقيض الحدس، بل في كونه النسخة المزيفة منه
هو الضجيج الذي يقلد صوته.
ولطالما وقفت بين السؤال كيف أعرف اذا كان هوى أم حدس حقيقي؟ربما الفارق بينهما هو -الزمن-
الهوى ميزانه "الآن". سعادة وهدف ومبتغى "اللحظة" لا يستطيع الانتظار أو رؤية ما خلف الصورة ولا يقتنع بالمدى البعيد للقرارات. الهوى عجول، صاخب، وملحّ، يمنحك سعادة لحظية ويوقف تفكيرك عما بعدها. 

أما الحدس.. فصبور، وهادئ، وبعيد النظر. 

لذا، ربما حين نحتار بينهما، نتوقف ونسأل: هل يدفعني هذا الشعور لاقتناص لحظة عابرة (هوى)؟
 أم أنه يحذرني ويحميني من مآلٍ لا أراه (حدس)؟


2026/01/01

خطورة العدوى

أتعرف ما الذي تعلمته؟

تعلمتُ أن أكفّ عن بذل جهد المحاولة في الأشياء التي تبدو، من الوهلة الأولى، أن لا أمل فيها.

لطالما تساءلت: كيف أعرف أن المحاولة لن تؤول إلى شيء؟
وأنا التي آمنت باللون الوردي، وباحتمال الخير في كل شيء… في اللايقين.
آمنتُ بأن لكل ما خلقه الله جانبًا آخر غير مرئي،
وأن السيئ قابل لأن يُحوَّل إلى خير،
وأن العمل غير المجدي — إن أصررنا عليه — سيغدو مجديًا يومًا ما.

لكن تلك النظرة الحالمة… أو الساذجة،
كلّفتني أكثر مما توقعت.

فهناك أخطاء، إن أطلنا البقاء فيها،
لا تظل أخطاءً عابرة،
بل تتحول إلى خطٍ موازٍ لحياتنا،
ثم تصبح هي الحياة نفسها.
تبدأ كبحرٍ هادئ،
ثم تتحول فجأة إلى تسونامي
يغرق كل شيء.

تعلمتُ ألا أهدر جهدي.
ما يبدو غير مجدٍ، لا نمنحه وقتًا ولا محاولة.
ننظر إليه من بعيد، نتأمله،
وحين تنكشف حقيقته،
لا نكذب على أنفسنا بالحديث عن تغييره،
أو تعديله،
أو تحسينه.

نُدير له ظهورنا…
ونمضي.

لأن المشكلة ليست في الوقت أو الجهد الذي سيضيع سرابًا،
ولا في النتائج التي قد لا تأتي.
المشكلة، كل المشكلة،
فيك أنت.

في أنك ستغرق فيه،
ستتحول إلى جزء منه،
ستتلون بلونه،
وتتشرب صفاته،
حتى يندمج كيانك بكيانه.

ستتأقلم إلى الحد الذي لا تعود فيه ترى أنه يحتاج إلى تغيير،
لأنك ببساطة…
تغيرتَ معه.

وحين يحدث، صدفةً، أن تحاول الابتعاد،
لن تستطيع.
لن تدرك أصلًا أن ثمة ما يجب مغادرته،
لأن المسافة بينكما
ستكون قد مُحيت تمامًا.

أن تبقى طويلًا في شيء لا يشبهك،
يعني أن تفقد قدرتك على التمييز.
ما كان مؤلمًا يصبح مألوفًا،
وما كان مرفوضًا يصبح عاديًا،
وما كان طارئًا… يتحول إلى هوية.

هذه هي الخطورة الحقيقية:
أن تحاول التغيير فتفشل،
ثم تقتنع،
فتتأقلم،
فتستسلم،
ثم تنطفئ.

أن تُغلق منافذ وعيك كي لا تتأذى من تناقض وجودك
مع ما لا يشبهك،
فتتحول — دون وعي — إلى فراغ.

وحين تصبح فراغًا…
يملؤك بالكامل
ذلك 
الذي كنت تحاول تغييره.