2026/05/23

 

تظل أثمن لحظات الحياة هي تلك التي نخلو فيها بأنفسنا؛ لا ضجيج، لا كلام، لا أحاديث أو أحداث تستوجب الانفعال. أن تقبع بمفردك، تستمع إلى موسيقاك، تشعل بخورك وشموعك، وتخفت أضواءك لتمارس طقوسك الخاصة. أن تُلقي عن كاهلك وجسدك عباءاتك، وتكون أنت كما أنت.

وإن كنت لا تعرف من أنت... فاستغل تلك الخلوة لتعرف؛ لترى كيف تغيرت، وكيف تحولت، وما الذي اسْوَدَّ بداخلك أو أي أنوارٍ خفت وهجها. لترى ما تبدّل فيك وما يستوجب الانتباه. إنها تلك اللحظات التي أقدرها بحجم الحياة، تعيد فيها حساباتك، تفتح دفاترك، وتُمعن النظر في دواخلك.

سَمِّها هدنة.. سَمِّها هروباً.. أو سَمِّها اختباءً.. سَمِّها ما شئت، فهي -دون أن نشعر- نعيمٌ من الله وأجمل هدايا الحياة.

غير أن دوامة الحياة تأبى إلا أن تنتزعنا من سكينتنا، وتُباعد بيننا وبين ذواتنا. تفرض علينا اندماجاً، يسرقنا منّا، ويذيبنا في الجموع، حتى نصل إلى اغترابٍ موحشٍ؛ نقف فيه أمام المرآة فلا نُبصر سوى ملامح باهتة لا تخصنا.

ولطالما ابتلعتني هذه الدوامة وفقدتُ نفسي في تفاصيلها، غير أنني ما إن أظفر بلحظةِ خلوة، حتى تنتشي روحي وتستعيد توازنها. يغمرني هدوءٌ عميق، وتتضح الرؤية، فأُدرك يقيناً أن شفائي يكمن دائماً في هذا "الابتعاد".

لهذا السبب، أقدس العزلة وأسترق لحظات الهدوء واتتبعها وأبحث عنها وان وجدتها أمسكت بها وقبعت بداخلها. ولهذا أيضاً، تُرهقني فوضى الزحام، وتستنزفني الضوضاء، وكثرة الوجوه، والوجود وثرثرات المجالس.

يستنزفني البشر، وتُثقلني طاقتهم..وان لم أعترف
 ورغم ذلك، ستجدني دوماً في قلب المشهد، لكنني، كي أستمر، أحتاج دائماً للعودة
"إليَّ"؛ الى عزلتي لأن وحدها ما يعينني على البقاء
.

2026/05/20

عطر وموسيقى

يمسك بزجاجة عطره الأولى، ينزع غطاءها، ويرفع ذراعه ليرشّ منها على معصمه. ثم يتناول زجاجة ثانية ليطلق رذاذاً مغايراً تماماً في صفاته وتركيبه عن الأول، باخّاً إياه فوق البقعة ذاتها، قبل أن يتبعهما بعطر ثالث.

لكل عطر منها نوتاته الخاصة، الفريدة، والمتناقضة مع الآخر؛ أحدها عربي شرقي، والآخر فرنسي، وثالثها كلاسيكي معتّق بالزمن. يترقب ثواني، بل ربما دقائق، حتى تمتزج الروائح، وتتداخل، وتهدأ تلك التركيبة التي صنعها. يرفع معصمه ويستنشق المزيج بعمق، ثم ينفث عليه برقة لتتناثر الرائحة وتتشابك بالهواء؛ فتولد رائحه معبقة لا يمكن تشبيهها بعطر واحد. يستنشقها مجدداً، فخور بما صنع من مزيج يحمل كل هذا العمق والتعقيد؛ مزيج لا تجد له وصفاً، لكنه يغويك ويسحبك إليه، مجسداً لذة هروبه نحو دمج ما لا يُدمج، وجمع التناقضات والتمرد على الاكتفاء بمكون واحد.

وفجأة... تتغير الأغنية في مشغل الموسيقى. ينساب اللحن واصلاً إلى مسامعه، فتنتفض حواسه متأثرةً. تلمع عيناه ببريق مبهر، وتبدّل نظراته ملامح وجهه بأكملها. يجلس على الأريكة السوداء التي كان يقف بمحاذاتها قبل قليل.

في تلك اللحظة، يبدو في قمة الارتياح. يستسلم لانتشائه تماماً، يسكن، يهدأ، وتبدو عيناه من شدة اللمعان وكأن فوقهما طبقة مائية سائله شفافة. يركّز في صمت، مبتسماً ابتسامة خفية لا تُظهر أسنانه، محاطاً بهدوء حركي لا يشبهه.

يغمض عينيه، وتبدأ أصابعه في التحرك بحركات إيقاعية، كأنه يمسك غيتاره الخاص ويعزف ذات اللحن دون أداة. ومن شدة اندماجه، يُخيّل إليك أن اللحن نفسه يجري في جسده؛ يحركه، يلمسه، ويثيره، كما يجري الماء في وعاء طيّع، يتدفق فيتحرك الوعاء معه. تنتفخ عروق رقبته مع نوتات الشجن، وتنقبض جفونه المغمضة لتظهر تلك التجاعيد الصغيرة على جانبي عينيه، بينما تتسع الابتسامة الخفية على شفتيه مع نوتات الفرح. يتكئ بظهره أكثر إلى الخلف، وأصابعه الغضّة تواصل عزفها في الهواء، مُرددةً لحناً يحفظه عن ظهر قلب. ومع كل ذروة في الاندماج، تتحد رائحة العطر المصنوع أكثر فأكثر مع الهواء... بينما يستمر هو في العزف على الفراغ.

2026/05/07

قطن أبيض

رفعتُ الفنجان نحو وجهي، فصافحني بخارهُ بحدة؛ مزيجٌ مربك من الروائح. هناك ما أقرُّ بوجوده مما اعترفتَ لي به، وهناك تفاصيل أخرى.. "سر الصنعة" الذي تحرصُ على إبقائه حبيس غموضك، لتُمارس سحرك المعتاد، أو ربما لأنك تخشى الوضوح.

واصلتُ استنشاق قهوتك؛ هيلٌ وشوكولاتة مع القرفة. ورغم اعتيادي على قهوتي "مُرّة" بلا سكر، تنازلتُ في حضرتك عن أرسخ قواعدي، واتبعتُ ذوقك المحلّى. إلى أي حدٍّ سأستمر في هدم ما اعتدت عليه؟

قرّبتُ الفنجان من شفتي.. عبر الطعمُ فوق لساني واستقر في حلقي. بدأتُ رشفه ببطءٍ متعمد لأفكك طلاسمه، ولم يمر الطعم بحاسة التذوق فحسب، بل وكأنه أعطى إشارةً فورية لذاكرتي لِتُؤرشف المذاق ضمن ما لا ينسى.

سألتني بثقة عن رأيي فيما أشرب.

أجبتكَ ببرود مصطنع: "تشبه كل ما تصنع.. في كل شيءٍ تلمسه ثمة مزجٌ بين المتناقضات، جمعٌ لأشياء لا تُجمع، واختلاق لواقعٍ لا يشبه أحداً غيرك."

ابتسمتَ أنت.. وأكملت أنا استطعام القهوة

جلستَ أمامي تبدأ لوحتك الجديدة، أدواتك بجانبك وأنت ثابت في مكانك.  تأملتكَ في صمت.

تراجعتَ أنت إلى الخلف، نظرتَ إلى ما بدأت فيه، ثم نبشتَ بأصابعك بين أدواتك وأمسكتَ بقطنةٍ بيضاء. رفعتها أمامي وقلت:

"أنتِ في حياتي قطنة.. جئتِ لتمتصي سمومي، ولتمنحيني طُهركِ."

أنزلتَ يدكَ والقطنة واتجهتَ نحو لوحتك. أخذتَ بدقة وببطء وحذر تُصلح خطأً كانت ريشتك قد أحدثته للتو. عُدتَ تغرق في تفاصيل اللوحة، بينما غرقتُ أنا في وقع جملتك. كنتُ أنظر إلى يديك وهما تحركان القطنة فوق الورق.. شيئاً فشيئاً، كان بياضها يُطمس بسواد الحبر. وجهك منحنٍ للأسفل، عيناك غارقتان في "التعديل"، وأنا غارقة في طعم القهوة.. وفي يديك، وفي جملتك وفيك.

تسميني "القطنة"؛ تلك التي خُلقت لتمتصَّ أخطاءك وتمنحكَ بياضها الفطري. لكن إلى أي لونٍ ستستحيل قطنتك حين تتشبع بك؟ وماذا ستفعل بها حين تستكفي منها ولا تعود صالحة لتمتص المزيد؟

 أمسكتَ بالقطنة التي اسودّت تماماً، ولم ترمِها في سلة المهملات، بل وضعتها جانباً وأمسكتَ بقطنة جديدة. 

وأنا جلستُ ومذاق القهوة المحلى في فمي، أشاهد كيف تفرط في القطن الأبيض في سبل لوحاتك. 

سياره بلا سقف

هل عدتُ طفلة؟
كانت أسعد لحظاتي دوماً هي تلك التي أترك فيها الهواء يصطدم بوجهي؛ حين يلامسني فأفقد، لوهلة، اتصالي بالأرض. لا أعبأ بخصلات شعري وهي تتناثر، تتشابك، وتغطي عيني، لأبدو كمن استيقظت لتوّها من سُباتٍ طويل. تعيدني اللحظة إلى تلك الطفلة؛ الخفيفة من ثقل التوقعات، الجاهلة بكل شيء، والعارفة به بالفطرة. طفلة لا يعنيها ما سيأتي، مكتفية بـ "الآن" حدّ الامتلاء.

آنذاك، كنت أفتح النافذة خلسة، أترقب صوت أمي من المقاعد الأمامية: "أغلقيها كي لا تمرضي". كنت أستسلم سريعاً، وأنظر إلى العالم من خلف الزجاج، شاعرةً بأن رؤيتي له لا تكتمل إلا بلمسه.

كبرتُ.. وانتقلتُ من المقعد الخلفي إلى جوار "السائق". بضغطةٍ واحدة، كانت النوافذ تُغلق بصوتٍ حازم. "الهواء يفسد ترتيب السيارة، والشمس حارقة". كان يقولها دون أن يلتفت، غارقاً في مكالماته التي لا تنتهي. في سيارته، تعلّمتُ أن أتنفّس هواءً معلباً، وأن أخفض صوتي حتى لا يشتت تركيزه، وألا أشغل الموسيقى لأنها لا تلائم ذوقه. هناك، لكي أسلم.. استسلمتُ.

وحين جلستُ وحيدة في سيارتي ، ظننتُ أنني سأفتح كل النوافذ. لكن يدي ضغطت زر الإغلاق تلقائياً. كان خوفاً من العيون.. من العالم.. من أن يخدش العابرون هشاشتي التي تركتها الخيبات مكشوفة. كان استسلاماً لحارسي الداخلي الذي ظننتُ أنه يحميني، بينما كان يخنقني.

ثم ظهرتَ أنت.

الآن، في سيارتك، أمدّ يدي في الفراغ، أرفعها كطفلةٍ استعادت عالمها المفقود. ألمس الهواء كأنه شيئ يمكن الإمساك به، شيءٌ أحبه، وأعرفه، وافتقدته طويلاً. أغمض عيني، أتنفس.. وكلما أغمضتهما أكثر، اتضح الطريق في مخيلتي بوضوحٍ أكبر.

نحن في سيارةٍ بلا سقف، سماءٌ فوقنا كحليةٍ يكسر سوادها ضوءٌ بعيد. الهواء يحيط بنا من كل اتجاه، يمزج عطرَيْنا ويصنع من اللحظة "حدثاً" يصعب نسيانه. أراك من الجانب: شعرك يتطاير، يدك ثابتة على المقود، وعيناك تلمعان بلونٍ يبدو الآن أفتح، سارحاً، ساحراً.. وأنا مثقلةٌ، ثملةٌ بهذا الشعور. الليل ينتصف، والقمر المكتمل يراقبنا بفضول، والطريق يمتدّ أمامنا بلا وعود.

وبسذاجة، اسأل: "إلى أين نذهب؟". وبلا تردد، تجيب: "وهل يهم؟ التيه معاً أهون من أن يصل أحدنا وحيداً بلا ونس".

أسند رأسي إلى ظهر المقعد، أتركخصلات شعري تتطاير على أركان المكان. أميل برأسي لليسار، أراقبك بصمت. أنت تقود، وأنا أتبعك. تسمّيني "بوصلة"، و"نبراساً".. وأنا التي بالكاد أرى اتجاه قدمي وأتبعك! ومع ذلك، هناك سحرٌ في هذا التيه. ربما لا نعرف إلى أين نمضي، وربما هذا، هو ما يجعلني أُسلّم للمرة الأولى بسلام.

أغمض عينيّ.. أستنشق رائحتك، أستقبل الموسيقى والريح. لا صوت يطالب، ولا يد تمنع.
وأنا استسلم لك وللطريق.

2026/03/29

سراب الطيور

 الحرية؟

ان تحيا بلا حدود

أن تكونَ أنتَ أينما تكون،

بلا فكرةٍ تُقيّدك،

ولا غايةٍ تُسيّرك،

ولا كلمةٍ تُعرّفك

ولا تعلق يثقلك.

أن تعلو عن صخبِ المألوف،

عن أحكامِ العارفين،

وألا تنظر في مرآةِ الآخرين.

أن تكونَ أنتَ…كما أنت،

أن تطير في الأثير

أن تُتقنَ "الاستغناء"،

أن تعلو على الأشياء


أن تنظرَ إلى الطيور… فلا تغبطها،

وأن تسكنَ الأرض… فلا تمقتها،

أن تُحبَّ الحياة، وتفتحَ قلبكَ لها،

فتتنفّسَ هواءها… دون أن تختنق.

أن تكرهَ القيدَ والتكبّلَ والتبجيل،

ألا تكونَ عبدًا لوصفٍ، أو صنفٍ،

أو "أنا".. أو تشبيه.

أن تتفرّد… وإن انفردت،

أن تسكنَ نفسك… وإن اعتزلت.

ألا تكونَ غيمة تعوم في الأثير،

-------------------

أهذهِ الحرية؟ ما الحرية؟

"أن تفعلَ ما لا يؤذي الآخرين"..

تلكَ الجملةُ التي رضعناها، واختزلنا فيها الوجود،

فكبرنا مكبّلين بوعودِها،

وسقطنا في أقفاصٍ من حرير.

والمأساةُ.. كلُّ المأساة، أننا لم ندركْ أنها قضبان.

طبعَتنا، فألفناها، فتأقلمنا،

حتى تماهينا معها وسكنّاها..

دون أن نعلمَ أننا لا نعانقُ سماءً، بل نقتاتُ على الوهمِ داخلَ السياج.

ثم صرخنا: "البراح".. "السراح"!

تمردنا على الأرضِ والقضبان،

أردنا الحريةَ التي تُعاش.. لا التي تُقال.

وحين تذوّقناها.. ثمّنّاها،

أدمنّا الهروبَ إليها، وصارت هي الفكرةَ والمبدأَ والغاية.

قلنا: "لن نعود".. فالحريةُ وما دونها عَدَم.

لكن.. للحريةِ لعنة! جاذبية

تجذبُكَ كهاويةٍ ، تسحبُكَ بعيداً..

حتى لا تعودَ تُطيقُ قيداً أو استقراراً.

تكرهُ الثبات، وتهربُ من كلِّ فكرةٍ توقفُ تحليقَك.

تطيرُ.. حتى تضيعَ منك ملامحُ الدار،

وتسقطَ في عتمةٍ باردةٍ.. أنانية.

لا تعبأُ بأحد، ولا يبالي بك شيء.

تلكَ كبوةُ الحرِّ حين يُغويهِ المدى

فلا يجدُ "النور" الذي بحثَ عنه،

بل يجدُ نفسَه قد عادَ عبداً..

لشيءٍ آخر، أكثرَ سطوةً، وأشدَّ قسوة.. عبداً لسرابِ مهاجرا من الطيور. أخطر أنواع العبودية هي تلك التي نختارها ونسميها حرية، وأقسى أنواع الضياع هو أن تملك الأجنحة ولا تملك وطناً تهبط فيه

2026/03/25

 ثَمّةَ حُبٌّ لا نُعلنه، نَستودِعُه خَزائنَ السِّرِّ، ونُخبّئُه في مَواطِنِ الغَيْب، ونُسمّيهِ "شيئاً خاصاً جداً"
 خُلقَ فينا ولنا.
نَخشى عليهِ هَواءَ الأرضِ وضَوْءَ العَلَن؛ مخافةَ أن يَتلوَّثَ، أو يَتسرَّبَ إلى لسانِ الحكاياتِ فيَفْسُد.
كأنَّه شأنٌ سَماويٌّ بَحْت، أرَقُّ وأطهَرُحتى مِن انْهِمارِ المَطَر.

نَكادُ مِن فَرْطِ الحِرصِ ألّا نَعترِفَ بهِ لأنفُسِنا، نَذودُ عنه سِهامَ الأعين، ورَجمَ الظنون، ولَغْوَ القول.
يسكنُ "هُنا" فقط
 في حَنايا القَلْب، وأغوارِ الرُّوح، وبَينَ الجَفْنِ والـمُقْلَة.
لا يُترجمُه لَفْظٌ، ولا يَمُرُّ عبرَ حَنْجَرة؛ نَعتكِفُ بهِ في الدّاخلِ وننأى بهِ عن الخارج،
كالصَّلاةِ، كالدُّعاء، ككلِّ عِبادةٍ لا نُجاهرُ بها.

ليسَ لأنَّه هَشٌّ، بل مِن فَرْطِ قَداسَتِه ونُدرتِه،ومِن شِدَّةِ التحامِه بِنا؛
 فكلُّ ما يخرجُ للعَلَنِ يَستحيلُ "مادّةً" مَلموسة، ونحنُ نُريدُه مَشاعرَ لا تُمسّ.
هذا هو الحُبُّ كما أعرف: خاصٌّ، قُدسيٌّ، ومُترَفِّعٌ عَن المَشاع فِعلٌ حَميميٌّ لا يَقبَلُ الشَّراكة، خُلِقَ لَنا، وبِنا، ولِأجلِنا
 لِنَعيشَه وَحْدنا .

2026/03/17

قطرة

وهذه هي الحكاية إذاً.. هكذا تبدأ الأشياء، وهكذا تبدو.. تتضح وتتبلور.

هكذا يرتب الله المشاهد والشواهد، هكذا يقرّب ويباعد. هكذا يسير بنا، يَسُرُّ قلوبنا، ونُسَرُّ لبعضنا.
وإلى هنا يأتي بنا، نلتقي فنتلاقى، نألف الآخَر فنتآلف.

هكذا يزيل الله المساحات والمسافات والأمتار، والعراقيل، والمفارقات، ليضعنا في أماكننا، في الطرق الأنسب لنا
 يأخذنا إليها بلا جهدٍ منا.

هكذا يصرّف ويغيّر، وهكذا تتعرقل السبل، تتداخل وتتعقد؛  لتتضح الصورة فيما بعد، لتظهر التفاصيل، ونفهم ما لم نفهمه سابقاً.

يصبح الشبه، والتماهي، والتقارب والتماثل والتلاقي بيننا وبين ما يناسبنا كالمعجزة، كالقدر وكالحدث المنتظر.

هكذا تبدو الأشياء سهلة، ميسرة، مناسبة، منسابة، مترقرقة ومتماشية بلا جهدٍ ولا مجهود، بلا محاولات ولا إجبار، بلا حيرة، ولا تحفزوبلا قلقٍ أو تفكير.

هكذا إذاً تأتي الأشياء

هكذا تسقطُ في بحرنا؛ موجةً تلو موجة، في تناغمٍ وإحلال لا تضاد ولا فوارق. تأتي حيث تنتمي فتذوب.

ينسابُ الماءُ بتلقائيةٍ مذهلة. أطرافُ الموج تتلامس، تتشابك، وتتعانق  يصعبُ فراقها. تعلو لتبلغَ ذروة المدى، ثم تهبطُ معاً إلى القاع.. دون أن ينفكَّ وثاقها
. هنا عالمٌ أوحد، مقتطعٌ من صخبِ العالمِ الأكبر. ربما لا أحد يدركُ السرَّ سوى البحر؛ كيف يأذن لقطرةٌ بالدخول.. فتصيرُ هي البحر