تظل أثمن لحظات الحياة هي تلك التي نخلو فيها بأنفسنا؛ لا ضجيج، لا كلام، لا أحاديث أو أحداث تستوجب الانفعال. أن تقبع بمفردك، تستمع إلى موسيقاك، تشعل بخورك وشموعك، وتخفت أضواءك لتمارس طقوسك الخاصة. أن تُلقي عن كاهلك وجسدك عباءاتك، وتكون أنت كما أنت.
وإن كنت لا تعرف من أنت... فاستغل
تلك الخلوة لتعرف؛ لترى كيف تغيرت، وكيف تحولت، وما الذي اسْوَدَّ بداخلك أو أي
أنوارٍ خفت وهجها. لترى ما تبدّل فيك وما يستوجب الانتباه. إنها تلك اللحظات التي
أقدرها بحجم الحياة، تعيد فيها حساباتك، تفتح دفاترك، وتُمعن النظر في دواخلك.
سَمِّها هدنة.. سَمِّها هروباً.. أو سَمِّها اختباءً.. سَمِّها
ما شئت، فهي -دون أن نشعر- نعيمٌ من الله وأجمل هدايا الحياة.
غير أن دوامة الحياة تأبى إلا أن
تنتزعنا من سكينتنا، وتُباعد بيننا وبين ذواتنا. تفرض علينا اندماجاً،
يسرقنا منّا، ويذيبنا في الجموع، حتى نصل إلى اغترابٍ موحشٍ؛ نقف فيه أمام المرآة
فلا نُبصر سوى ملامح باهتة لا تخصنا.
ولطالما ابتلعتني هذه الدوامة وفقدتُ
نفسي في تفاصيلها، غير أنني ما إن أظفر بلحظةِ خلوة، حتى تنتشي روحي وتستعيد
توازنها. يغمرني هدوءٌ عميق، وتتضح الرؤية، فأُدرك يقيناً أن شفائي يكمن دائماً في
هذا "الابتعاد".
لهذا السبب، أقدس العزلة وأسترق لحظات الهدوء واتتبعها وأبحث عنها وان وجدتها أمسكت بها وقبعت بداخلها. ولهذا أيضاً، تُرهقني فوضى الزحام، وتستنزفني
الضوضاء، وكثرة الوجوه، والوجود وثرثرات المجالس.
يستنزفني البشر، وتُثقلني طاقتهم..وان لم أعترف
ورغم ذلك، ستجدني دوماً في قلب المشهد، لكنني، كي أستمر، أحتاج دائماً للعودة "إليَّ"؛ الى عزلتي لأن وحدها ما يعينني على البقاء.