يمسك بزجاجة عطره الأولى، ينزع
غطاءها، ويرفع ذراعه ليرشّ منها على معصمه. ثم يتناول زجاجة ثانية ليطلق رذاذاً
مغايراً تماماً في صفاته وتركيبه عن الأول، باخّاً إياه فوق البقعة ذاتها، قبل أن
يتبعهما بعطر ثالث.
لكل عطر منها نوتاته الخاصة،
الفريدة، والمتناقضة مع الآخر؛ أحدها عربي شرقي، والآخر فرنسي، وثالثها كلاسيكي
معتّق بالزمن. يترقب ثواني، بل ربما دقائق، حتى تمتزج الروائح، وتتداخل، وتهدأ تلك
التركيبة التي صنعها. يرفع معصمه ويستنشق المزيج بعمق، ثم ينفث عليه برقة لتتناثر
الرائحة وتتشابك بالهواء؛ فتولد رائحه معبقة لا يمكن تشبيهها بعطر واحد. يستنشقها
مجدداً، فخور بما صنع من مزيج يحمل كل هذا العمق والتعقيد؛ مزيج لا
تجد له وصفاً، لكنه يغويك ويسحبك إليه، مجسداً لذة هروبه نحو دمج ما لا يُدمج، وجمع التناقضات والتمرد على الاكتفاء بمكون واحد.
وفجأة... تتغير الأغنية في مشغل
الموسيقى. ينساب اللحن واصلاً إلى مسامعه، فتنتفض حواسه متأثرةً. تلمع عيناه ببريق
مبهر، وتبدّل نظراته ملامح وجهه بأكملها. يجلس على الأريكة السوداء التي كان يقف
بمحاذاتها قبل قليل.
في تلك اللحظة، يبدو في قمة
الارتياح. يستسلم لانتشائه تماماً، يسكن، يهدأ، وتبدو عيناه من شدة اللمعان وكأن
فوقهما طبقة مائية سائله شفافة. يركّز في صمت، مبتسماً ابتسامة خفية لا تُظهر أسنانه،
محاطاً بهدوء حركي لا يشبهه.
يغمض عينيه، وتبدأ أصابعه في التحرك
بحركات إيقاعية، كأنه يمسك غيتاره الخاص ويعزف ذات اللحن دون أداة. ومن شدة
اندماجه، يُخيّل إليك أن اللحن نفسه يجري في جسده؛ يحركه، يلمسه، ويثيره، كما يجري
الماء في وعاء طيّع، يتدفق فيتحرك الوعاء معه. تنتفخ عروق رقبته مع نوتات الشجن،
وتنقبض جفونه المغمضة لتظهر تلك التجاعيد الصغيرة على جانبي عينيه، بينما تتسع
الابتسامة الخفية على شفتيه مع نوتات الفرح. يتكئ بظهره أكثر إلى الخلف، وأصابعه
الغضّة تواصل عزفها في الهواء، مُرددةً لحناً يحفظه عن ظهر قلب. ومع كل ذروة في
الاندماج، تتحد رائحة العطر المصنوع أكثر فأكثر مع الهواء... بينما يستمر هو في
العزف على الفراغ.
No comments:
Post a Comment