2026/05/07

قطن أبيض

رفعتُ الفنجان نحو وجهي، فصافحني بخارهُ بحدة؛ مزيجٌ مربك من الروائح. هناك ما أقرُّ بوجوده مما اعترفتَ لي به، وهناك تفاصيل أخرى.. "سر الصنعة" الذي تحرصُ على إبقائه حبيس غموضك، لتُمارس سحرك المعتاد، أو ربما لأنك تخشى الوضوح.

واصلتُ استنشاق قهوتك؛ هيلٌ وشوكولاتة مع القرفة. ورغم اعتيادي على قهوتي "مُرّة" بلا سكر، تنازلتُ في حضرتك عن أرسخ قواعدي، واتبعتُ ذوقك المحلّى. إلى أي حدٍّ سأستمر في هدم ما اعتدت عليه؟

قرّبتُ الفنجان من شفتي.. عبر الطعمُ فوق لساني واستقر في حلقي. بدأتُ رشفه ببطءٍ متعمد لأفكك طلاسمه، ولم يمر الطعم بحاسة التذوق فحسب، بل وكأنه أعطى إشارةً فورية لذاكرتي لِتُؤرشف المذاق ضمن ما لا ينسى.

سألتني بثقة عن رأيي فيما أشرب.

أجبتكَ ببرود مصطنع: "تشبه كل ما تصنع.. في كل شيءٍ تلمسه ثمة مزجٌ بين المتناقضات، جمعٌ لأشياء لا تُجمع، واختلاق لواقعٍ لا يشبه أحداً غيرك."

ابتسمتَ أنت.. وأكملت أنا استطعام القهوة

جلستَ أمامي تبدأ لوحتك الجديدة، أدواتك بجانبك وأنت ثابت في مكانك.  تأملتكَ في صمت.

تراجعتَ أنت إلى الخلف، نظرتَ إلى ما بدأت فيه، ثم نبشتَ بأصابعك بين أدواتك وأمسكتَ بقطنةٍ بيضاء. رفعتها أمامي وقلت:

"أنتِ في حياتي قطنة.. جئتِ لتمتصي سمومي، ولتمنحيني طُهركِ."

أنزلتَ يدكَ والقطنة واتجهتَ نحو لوحتك. أخذتَ بدقة وببطء وحذر تُصلح خطأً كانت ريشتك قد أحدثته للتو. عُدتَ تغرق في تفاصيل اللوحة، بينما غرقتُ أنا في وقع جملتك. كنتُ أنظر إلى يديك وهما تحركان القطنة فوق الورق.. شيئاً فشيئاً، كان بياضها يُطمس بسواد الحبر. وجهك منحنٍ للأسفل، عيناك غارقتان في "التعديل"، وأنا غارقة في طعم القهوة.. وفي يديك، وفي جملتك وفيك.

تسميني "القطنة"؛ تلك التي خُلقت لتمتصَّ أخطاءك وتمنحكَ بياضها الفطري. لكن إلى أي لونٍ ستستحيل قطنتك حين تتشبع بك؟ وماذا ستفعل بها حين تستكفي منها ولا تعود صالحة لتمتص المزيد؟

 أمسكتَ بالقطنة التي اسودّت تماماً، ولم ترمِها في سلة المهملات، بل وضعتها جانباً وأمسكتَ بقطنة جديدة. 

وأنا جلستُ ومذاق القهوة المحلى في فمي، أشاهد كيف تفرط في القطن الأبيض في سبل لوحاتك. 

No comments:

Post a Comment