هل عدتُ طفلة؟
كانت أسعد لحظاتي دوماً هي تلك التي أترك فيها الهواء يصطدم بوجهي؛ حين يلامسني فأفقد، لوهلة، اتصالي بالأرض. لا أعبأ بخصلات شعري وهي تتناثر، تتشابك، وتغطي عيني، لأبدو كمن استيقظت لتوّها من سُباتٍ طويل. تعيدني اللحظة إلى تلك الطفلة؛ الخفيفة من ثقل التوقعات، الجاهلة بكل شيء، والعارفة به بالفطرة. طفلة لا يعنيها ما سيأتي، مكتفية بـ "الآن" حدّ الامتلاء.
آنذاك، كنت أفتح النافذة خلسة، أترقب صوت أمي من المقاعد الأمامية: "أغلقيها كي لا تمرضي". كنت أستسلم سريعاً، وأنظر إلى العالم من خلف الزجاج، شاعرةً بأن رؤيتي له لا تكتمل إلا بلمسه.
كبرتُ.. وانتقلتُ من المقعد الخلفي إلى جوار "السائق". بضغطةٍ واحدة، كانت النوافذ تُغلق بصوتٍ حازم. "الهواء يفسد ترتيب السيارة، والشمس حارقة". كان يقولها دون أن يلتفت، غارقاً في مكالماته التي لا تنتهي. في سيارته، تعلّمتُ أن أتنفّس هواءً معلباً، وأن أخفض صوتي حتى لا يشتت تركيزه، وألا أشغل الموسيقى لأنها لا تلائم ذوقه. هناك، لكي أسلم.. استسلمتُ.
وحين جلستُ وحيدة في سيارتي ، ظننتُ أنني سأفتح كل النوافذ. لكن يدي ضغطت زر الإغلاق تلقائياً. كان خوفاً من العيون.. من العالم.. من أن يخدش العابرون هشاشتي التي تركتها الخيبات مكشوفة. كان استسلاماً لحارسي الداخلي الذي ظننتُ أنه يحميني، بينما كان يخنقني.
ثم ظهرتَ أنت.
الآن، في سيارتك، أمدّ يدي في الفراغ، أرفعها كطفلةٍ استعادت عالمها المفقود. ألمس الهواء كأنه شيئ يمكن الإمساك به، شيءٌ أحبه، وأعرفه، وافتقدته طويلاً. أغمض عيني، أتنفس.. وكلما أغمضتهما أكثر، اتضح الطريق في مخيلتي بوضوحٍ أكبر.
نحن في سيارةٍ بلا سقف، سماءٌ فوقنا كحليةٍ يكسر سوادها ضوءٌ بعيد. الهواء يحيط بنا من كل اتجاه، يمزج عطرَيْنا ويصنع من اللحظة "حدثاً" يصعب نسيانه. أراك من الجانب: شعرك يتطاير، يدك ثابتة على المقود، وعيناك تلمعان بلونٍ يبدو الآن أفتح، سارحاً، ساحراً.. وأنا مثقلةٌ، ثملةٌ بهذا الشعور. الليل ينتصف، والقمر المكتمل يراقبنا بفضول، والطريق يمتدّ أمامنا بلا وعود.
وبسذاجة، اسأل: "إلى أين نذهب؟". وبلا تردد، تجيب: "وهل يهم؟ التيه معاً أهون من أن يصل أحدنا وحيداً بلا ونس".
أسند رأسي إلى ظهر المقعد، أتركخصلات شعري تتطاير على أركان المكان. أميل برأسي لليسار، أراقبك بصمت. أنت تقود، وأنا أتبعك. تسمّيني "بوصلة"، و"نبراساً".. وأنا التي بالكاد أرى اتجاه قدمي وأتبعك! ومع ذلك، هناك سحرٌ في هذا التيه. ربما لا نعرف إلى أين نمضي، وربما هذا، هو ما يجعلني أُسلّم للمرة الأولى بسلام.
أغمض عينيّ.. أستنشق رائحتك، أستقبل الموسيقى والريح. لا صوت يطالب، ولا يد تمنع.
وأنا استسلم لك وللطريق.
No comments:
Post a Comment