والساعة تشير إلى الرابعة فجراً... أخيراً
خرج، جاء وظهر. واستبدل مكانه بالفراغ. انتهى شعور الغثيان الذي استمر حتى تمام
الشهور واكتمالها.
وانتُزِعَ من بين أحشائي؛ لا، لم ينتزعه أحد... خرج هو... تنفس، أطل، صرخ وبكى
بغضب... ليلتقط أنفاسه ويجيء.
أهذه إذاً الحياة؟ تنفسها، رآها، خرج
من هنا، خرج محاطاً بالدم، وبألمٍ لم أعهده من قبل، وجاء استجابة لدعاء
وأمنية طال تحقيقها... بإرادة الله؛ لأراه، وألمسه، وأتنفسه، وأقرّبه،
وأحتضنه... ولأبقيه حبيس القلب، محفوفاً بالعين، ومحفوظاً بالذكر والدعاء. كنت
أخاف... كثيراً عليه...
لكنني كنت أستبقيه بالقرآن، وأستبقي
معه الحياة، أراقبها تمرّ من خلاله، وأمررها معه، وأتحمل مرارتها به... كان
الأمنية الأهم... والدعاء المجاب. أراقبه نائماً، فأرقيه... أمرر يدي فوق قلبه
لأطمئن... بأن نعمة الله لا زالت قائمة، ففي بعض الأحيان من كثرة تعلقنا بالشيء
نخاف فقده...
كنت أخاف عليه ملمس الأيدي، واقتراب الأنفاس... وعبث القبلات... كان الأهم...
ووحده أصبح المهم... وبه تبدّلت الأولويات، وتغيّر شكل الأيام، وبه تحوّلت مسيرة
المشاعر... ومسار الحياة... وكل ما أحمله من حب تحول وقعه منهم إليه...
ثم ماذا؟
انفلت كل ما فيه. ورغم أنه لم يُنتزع
من أحشائي، إلا أنه انتُزع من حياتي. لم يحدث قط أني فرطت، ولكن حدث أن سُلِبَ مني
بغتةً.. ذهب ولم يَعُد. كان يقف بجانبي، ممسكاً بيدي، وفجأة، نظرت أمامي وحين عدت
لأنظر بجانبي، لم أجده! ذُهلت؛ ألم يكن هنا للتو؟ أنظر إلى يميني ويساري، في
الأمام والخلف، حولي، وبيني وبين نفسي: أين ذهب؟ كيف تُسلب منا الأشياء وهي معنا؟
أهذا هو الابتلاء في شكله الأقسى؟
ماذا بعد؟ وكيف أحتمل البُعد؟ أهذا اختبار الصبر أم اختبار الفقد؟ أم اختبار كل ما
تعلق به القلب؟ أهذا اختبار التخلي؛ أن تُبتلى فيما تحب؟
مشيتُ أبحث عنه، ألتفتُّ يمنةً
ويسرةً، أُجيل بصري وأرفع صوتي. أبحث عنه بحواسي كلها، بمنتهى التعقل.. وبمنتهى
حرقة القلب.
ثم ماذا؟
بدأ القلب يبرد، يستسلم، ويحيد عن
التفكير. أهذه هي الأمومة في كفرها وقنوطها، أم في ضعفها؟ ألم يقولوا قديماً إن
البعد يُقسي القلوب؟ فلماذا فتر قلبه، وانفطرعليه قلبي؟
أشتاق، وأتأذى، ويُعلن قلبي احتجاجه
على الحياة بأكملها.
يتردد سؤال "لماذا؟"، ويتكرر...فأتعامل معه
وكأنه لم يأتِ.
أكمل الحياة. أمشي فيها. ولكن لا يتركني سؤال
"لماذا؟"