السماء والبحر يتشابهان في الصمت، وفي العمق، وفي الغموض. يتشابهان في البُعد، وفي الشعور، كالزبد الأبيض تسكن الغيوم السماء، وكما يلامسنا الرمل، يلامسنا المطر حين يذوب. حتى الشمس والقمر، يظهران على سطح البحر كما يظهران في وجه السماء… كأن مرآة غير مرئية تتوسطهما، تعكس صورة الآخر، فيمتزج البحر بالسماء، ويشبهها.
ورغم هذا التشابه، يبقى التباين ظاهرًا…
البحر يتحرّك، لا يسكن، لا يتوقّف… وإن هدأت الدنيا من حوله، هو لا يهدأ. لا يعرف كيف يسكن أو يستكين، وحين تغلبه المشاعر، يتراجع بذكاء ، وحين يعجز عن كبتها، تمتد مياهه إلى الشواطئ…دون أن تبوح بما بداخله …ورغم جرأته، إلا أنه يخفي ما يبطن. يضمر الكثير، ويظهر القليل جدا... أعماقه تحجب من الأسرار بقدر ما يحمل في جوفه من المياه.
مغرور هو البحر، ظاهره الكبرياء، يعشق أن تتوجه الأنظار نحوه، أن تُعجب به العيون، وأن تلامسه القلوب، ينظر إلى العالم بزهو..وفخر
.... أما السماء، فبسيطة… هادئة. تحجب مشاعرها، تخفيها. ورغم صمتها، هي الأكثر شعورًا، تخفي أحاسيسها عن الكون كله، وفي جوفها تتصادم الغيوم، تدور حولها الأفلاك، يتعارك القمر مع الشمس في أعماقها ليغطي أحدهما الآخر. ومع ذلك، تبدو وكأنها لا ترى، ولا تسمع، ولا تشعر.
هي السماء، لا تملك كبرياء البحر، ولا غروره...
ورغم أن السماء والبحر يتشابهان ورغم ما في أعماقهما من اختلاف... إلا أن حين خُلق الكون، بلغت السماء مكانها، وبقي البحر في موقعه، بينهما مساحة هائلة... بينهما فراغ لا نعرف سره ولكنه يجعل من لقائهما شئ محال... فحتى نهاية الخلق… لن يبلغا بعضهما. لن يقتربا... لحكمة قد لا ندركها، ولكن… قد يكون المغزى؛ أن بعض الجمال يكمن في البُعد، لا في اللقاء…
No comments:
Post a Comment