2025/05/16

هل جربت يومًا؟

 


هل جربت يومًا؟

هل جربت أن تخترق ألسنة اللهب؟ أن تغوص فيها بجسدك وروحك، فلا تكون عليك بردًا وسلامًا كما كانت على إبراهيم، بل جحيمًا مشتعلًا يلتهمك من السطح حتى الأعماق؟ تحترق حتى تغدو رمادًا، تذروه الرياح... بقايا من شيء كان. لتفهم الحكمة التي تقول:
"من لم يذق مرارة الاحتراق، لن يعرف لذة النجاة."


هل وقفت يومًا على شاطئ بحر هادئ، لتكتشف أن سكونه كان خداعًا؟ أن استهانتك به أغرقتك في لججٍ لا ترحم؟ فسلمت نفسك لموجه، لم تقاومه، بل تركته يحملك ويتقاذفك حيث يشاء. استسلمت، لا خنوعًا، بل لأنك أدركت أن النجاة أحيانًا في التسليم لا في المقاومة.


هل جرّبت أن تقوى على نفسك لا على الآخرين؟ أن تكافحها، تسير عكس أهوائها، تهذّبها، تصمّ أذنيك عن صوتها الخفي؟ أن تقسو عليها لا قسوة ظالم، بل تربية العارف، لتروّضها طلبًا لرضا الخالق؟ فاكتشفت أن كل ما تشتهيه النفس قد يكون سبب ضلالها..


هل جرّبت الصبر؟ الصبر الحقيقي... على ما تكره، وعلى ما تحب، وعلى ما تخشى، وعلى ما لا تملك تغييره أو حتى فهمه؟ 

ففهمت أن الصبر هو درس الحياة الأهم


هل عشت الوهم وأنت مدرك أنه وهم؟ 

أقنعت نفسك بعكس الحقيقة لأن الواقع كان يتطلب منك قوة لا تملكها؟ 

فاخترت الظلام، لأن شعاع النور كان سيفقدك بصرك؟ رفضت المعرفة عن وعي... رحمةً بقلبك؟
هل عشت داخل فقاعة من هواء، تعزلك عن العالم، حتى لم تعد تميّز بين الداخل والخارج؟ وحين انفجرت، ارتطمت بأرض الواقع، فشعرت أن قلبك هو من ارتطم، وظننت أنها نهايتك؟
لتتذكر قول الله تعالى:
"يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبدَ لكم تسؤكم" (سورة المائدة)


هل جربت أن تحيا حياة لا تشبهك؟ تشعر بالغربة في عالمك، تدرك الصراع داخلك، ثم تتجاهله، ظنًا منك أنه شعور عابر؟ هل ابتعدت عن حقيقتك حتى انفصلت عنها، وأصبح الرجوع إليها يتطلّب شجاعة لم تعد تملكها؟ ففهمت معنى أن تموت وأنت لا تزال على قيد الحياة.


هل جربت أن تكون شجاعًا؟ أن تنسف حياة بأكملها؟ أن تقفز من علٍ دون ضمان للنجاة؟ أن تختار وتتحمّل ثمن اختيارك؟ أن تخسر وتتنازل وتفقد، فقط لأنك تريد أن تمارس  إنسانيتك؟ لتفهم أن أثمن الأشياء في الحياة لا تمنح بل تشترى بثمن باهظ.


والخلاصة؟... تدرك أن من فقد اهتدى…

ومن دفع ثمنًا باهظًا للخلاص والسلام والحرية وإيجاد الذات، لن يقبل بالعودة حيث كان، 

وان أهم الدروس تأتي صعبة
وان من غرق واحترق لن يقترب من البحر ولا من النيران.
ومن ذاق طعم الموت، سيعرف قيمة الحياة ....

No comments:

Post a Comment