وأتساءل كثيرًا…
كيف مرّت الأيام؟
كيف اجتزتُها؟
كيف عبرتُ من خلالها دون أن انتهي؟
أيّ معجزةٍ تلك التي انتشلتني من
ظلامي،
وساقتني إلى طريقٍ لم أختره، لكنني
مشيت فيه؟
كيف متُّ، ثم عُدتُ؟
كيف سقطتُ ثم نهضت؟
كيف تهشّم قلبي، ثم التئم؟
كيف تغيّرتُ دون أن أشعر،
كأنني شيء دخل آلةً وخرج بهيئةٍ
مختلفة؟
كيف ابتعدت، ثم اقتربت؟
كيف احتملتُ، ورضيت، ومضيت؟
كيف عشت؟
وكانت الإجابة…
في كلمةٍ واحدة:
الله.
هو وحده من رأى، واطّلع، واحتوى،
وحكم.
هو من لم يرضَ، رغم أنني رضيت.
هو من ناهض الظلم، وأنزل عدله،
وبدّل ملامح الحياة من حولي.
أماتني، ليبعثني من جديد.
أيقظني من سباتي العميق.
أتذكّر تلك الليالي التي غفل فيها
الجميع،
وقفتُ أمامه، لا أشتكي، لا أطلب،
فقط أُحدّثه… وأقول:
"أحبك،
وأعلم يقينًا أن ما يحدث لي هو صورةٌ من صور حبك."
وقفتُ أمامه خاليةً من كل شيء،
ضعيفةً، صغيرة كورقة، كريشة،
أُكلمه، وأُطالع السماء،
وكلي يقين بأنه يسمعني.
رأيتُ أعاجيب قدرته تتجلى،
وآمنتُ أن معجزاته لم تنتهِ،
وأن رسائله لا تزال حاضرة…
لكننا لا نُنصت.
لا نُركّز، لا ننتبه،
لا نقتنع سوى بعقلنا المادي
----------------
ولكن…
هو قدَره الذي يُوقعه علينا لنتغيّر.
هي الأعاصير التي يُشكّلها في سمائنا
لنقترب.
هي أمنياتُنا، التي إن رأى فيها
خيرًا، حقّقها.
هي قلوبُنا، التي إذا وجد فيها
صدقًا، طهّرها.
هي خواطرُنا التي يؤذينا فيها الناس،
فيجبرها.
هي لحظاتُ الضعف، التي نجده فيها،
وساعة الانكسار الكئيبة، التي لا
يسطع فيها إلا نوره،
هي الساعات الأخيرة من عمر الفقد،
حين نجد"الأمل في لقائه" عزاءً عن
الدنيا وما فيها.
هي تلك المواقف التي نقول فيها من
أعماق القلب:
"إذا لم
يكن بك علينا غضب، فلا نُبالي."
هي حين نقف بمفردنا،
،وسط الحطام
في الظلام
فنرى أنوار معجزاته تتجلّى،
ويُرسل إلينا من يُواسي قلوبنا.
هي اللحظة التي نشعر فيها بأننا أضعف
من أن نمضي،
فيبعث في أرواحنا روحًا أخرى
تؤازرنا.
كذبوا حين قالوا إن زمن المعجزات قد
انتهى،
وأن الرسل قد ماتوا
وأننا بمفردنا في الدنيا…
فلولا معجزاته،
ولولا رسائله،
ولولا وجوده
ما كُنّا،
وما عشنا،
وما نهضنا،
وما مضينا…
كذبوا حين قالوا بأنه بعيد عنا
وهو الأقرب الينا
"أحبك يا رب
ولكنني
لا أحب
أن أجاهر بحبك
ولكن وجبت الكتابة …
فربما،
حين أمضي من الدنيا،
وأفارق الأرض
تبقى
كلماتي دليلا
على أن هنالك من مرت
-من هنا يوما-
ففهمت
أن خلاصة
الحياة
في
أن تجد الله...
وكيف نجد الله؟
تجد الله حين لا تجد سواه.
حين يشتدّ الظلام، وتخفت كل الأصوات،
وتُغلق الأبواب في وجهك، وتُدار لك الظهور.
حين تقف وحيدًا، ضعيفًا، مهزومًا، لا
تدري إلى أين تمضي، ولا كيف تُدير ما تبقى من أيامك.
حين تتكسر بوصلة الطريق، وتتساوى
أمامك الجهات، وتشعر أنك على حافة كل شيء... حافة الفقد، الضياع، السقوط.في تلك
اللحظة الدقيقة من الانكسار، ترى نورًا خافتًا ينبعث من بعيد. نور لم تلحظه من
قبل، ربما لأنك كنت منشغلًا عنه، أو لأن بصيرتك لم تكن مهيأة لرؤيته.
الآن تراه... تراه حقًا.
شيءٌ بداخلك يخبرك أن هناك نجاتك.
فتتحرك، ببطء، بثقل، بخطوات مرتجفة، لا يقين فيها، ولكن لا خيار سواها.
فلا طرق ممهدة أمامك، بل لا طرق على
الإطلاق.
تمضي وأنت مليء بالظنون، ولكنك تُصغي
لصوت داخلي، تتبعه لأول مرة...
فتصل.
تصل إلى الله.
فتشعر بأمان لم تعرفه من قبل، براحة
وطمأنينة وسلام عميق...
لقد وصلت.
لكن البقاء يفرض عليك شيئًا لطالما
هربت منه: التغيير.
أن تبقى مع الله، يعني أن تتغير.
وها أنت، رغم خوفك من التغيير، تبدأ
في تتغير... لأنك لا تريد أن تعود حيث كنت .
نحن لا نجد الله في اللحظات السهلة،
ولا في الأ]ام "العادية"، ولا في زحمة الانتصارات.
نجده فقط حين نفقد كل شيء... ونكتشف
وحدتنا.
هذه هي الحقيقة، ورغم قبحها لا اخجل من كشف وجهها...
قد نحيا ونموت دون أن نجده...
وماذا يعني أن تجد الله؟
No comments:
Post a Comment