2025/05/30

لماذا نخاف الموت؟

لماذا نخاف من الموت؟
هل لأننا نخاف من المجهول؟
نخاف من فكرة الوحدة؟
نخاف من التغيير؟
أم لأننا نخاف أن نفقد الحياة؟

وما الذي نخاف أن نفقده في الحياة؟
ما هي الحياة؟
وهل هذا الخوف — خوف الموت — هو المحفّز لنحيا، أم أنه يمنعنا من الحياة؟

نخاف الموت لأنه مرادف لكل مخاوفنا: الفقد، التغيير، المجهول، الوحدة، الصمت، الاغتراب، البعد...
لذلك، دائمًا وفي جميع تصرفاتنا، نهرب منه؛ نهرب منه بالانغماس في الحياة، بالتمسك بها، بالتشبث بسطحها لا جوهرها...

نخاف الفقد فنتمسك،
نخاف التغيير فنثبت،
نخاف الوحدة فنسعى لإرضاء الجماعة،
نخاف المجهول فنبقى في المعروف
...
نخاف الموت فنتمسك بالحياة،
نحفر أقدامنا على سطحها... نصبح كالنبات الصناعي، الذي يختاره الناس لأنهم يبحثون عن زرع لا يموت، ولا يريدون بذل جهد الزرع والحراثة
...
لكن، هل الزرع الصناعي يعطيهم فوائد الزرع الطبيعي؟ 

حين نخاف من الموت نصبح كالزرع الصناعي... نفقد جزءًا من إنسانيتنا وفطرتنا... نتشبث بالحياة، نندمج بكامل كياننا فيها، لا نحرث الأرض، فلا نوصل لحقيقتها وجوهرها... نبقى على السطح... فننسى لماذا جئنا ولا لأين سنمضي؟

الخوف من الموت قد يجعلنا نتمسك بالحياة، لكنه يقتلع من داخلنا الرغبة في فهم مغزى الحياة.

كلنا نخاف الموت، ولكن لكي نعيش بصدق، يجب أن نتصالح معه، ونراه الوجه الحقيقي الوحيد للحياة، جوهرها المدفون في باطنها...
حين نحرث الأرض ولا نستكفي بالسطح، سنجد الموت في باطن الأرض، ولن نجد شيئًا آخر... لأنه هو الحياة...

فالحقيقة أنه لا حياة من الأساس، مجرد غلاف للموت... كالتابوت، فهل ينفي التابوت وجود الميت بداخله؟

اذا هل الحياة تقود الى الموت، أم ان الموت يقود الى الحياة؟
ام ان كليهما شئ واحد
الموت هو الحياة
والحياة هي الموت؟
دائرة تبدء وتنتهي عند نفس النقطة؟



2025/05/28

أن تجد الله

وأتساءل كثيرًا
كيف مرّت الأيام؟
كيف اجتزتُها؟
كيف عبرتُ من خلالها دون أن انتهي؟
أيّ معجزةٍ تلك التي انتشلتني من ظلامي،
وساقتني إلى طريقٍ لم أختره، لكنني مشيت فيه؟
كيف متُّ، ثم عُدتُ؟
كيف سقطتُ ثم نهضت؟
كيف تهشّم قلبي، ثم التئم؟
كيف تغيّرتُ دون أن أشعر،
كأنني شيء دخل آلةً وخرج بهيئةٍ مختلفة؟
كيف ابتعدت، ثم اقتربت؟
كيف احتملتُ، ورضيت، ومضيت؟
كيف عشت؟

وكانت الإجابة
في كلمةٍ واحدة:
الله.
هو وحده من رأى، واطّلع، واحتوى، وحكم.
هو من لم يرضَ، رغم أنني رضيت.
هو من ناهض الظلم، وأنزل عدله،
وبدّل ملامح الحياة من حولي.
أماتني، ليبعثني من جديد.
أيقظني من سباتي العميق.

أتذكّر تلك الليالي التي غفل فيها الجميع،
وقفتُ أمامه، لا أشتكي، لا أطلب،
فقط أُحدّثه… وأقول:
"أحبك، وأعلم يقينًا أن ما يحدث لي هو صورةٌ من صور حبك."

وقفتُ أمامه خاليةً من كل شيء،
ضعيفةً، صغيرة كورقة، كريشة،
أُكلمه، وأُطالع السماء،
وكلي يقين بأنه يسمعني.

رأيتُ أعاجيب قدرته تتجلى،
وآمنتُ أن معجزاته لم تنتهِ،
وأن رسائله لا تزال حاضرة
لكننا  لا نُنصت.
لا نُركّز، لا ننتبه،
لا نقتنع سوى بعقلنا المادي
----------------
ولكن
هو قدَره الذي يُوقعه علينا لنتغيّر.
هي الأعاصير التي يُشكّلها في سمائنا لنقترب.
هي أمنياتُنا، التي إن رأى فيها خيرًا، حقّقها.
هي قلوبُنا، التي إذا وجد فيها صدقًا، طهّرها.
هي خواطرُنا التي يؤذينا فيها الناس، فيجبرها.
هي لحظاتُ الضعف، التي نجده فيها،
وساعة الانكسار الكئيبة، التي لا يسطع فيها إلا نوره،

هي الساعات الأخيرة من عمر الفقد،
حين نجد"الأمل في لقائه" عزاءً عن الدنيا وما فيها.
هي تلك المواقف التي نقول فيها من أعماق القلب:
"إذا لم يكن بك علينا غضب، فلا نُبالي."

هي حين نقف بمفردنا،
،وسط الحطام
في الظلام
فنرى أنوار معجزاته تتجلّى،
ويُرسل إلينا من يُواسي قلوبنا.

هي اللحظة التي نشعر فيها بأننا أضعف من أن نمضي،
فيبعث في أرواحنا روحًا أخرى تؤازرنا.

كذبوا حين قالوا إن زمن المعجزات قد انتهى،
وأن الرسل قد ماتوا
وأننا بمفردنا في الدنيا…

فلولا معجزاته،
ولولا رسائله،
ولولا وجوده
ما كُنّا،
وما عشنا،
وما نهضنا،
وما مضينا
كذبوا حين قالوا بأنه بعيد عنا
وهو الأقرب الينا 

"أحبك يا رب

ولكنني 
لا أحب
 أن أجاهر بحبك 
ولكن وجبت الكتابة
فربما،
حين أمضي من الدنيا،
وأفارق الأرض
تبقى كلماتي دليلا
على أن هنالك من مرت
-من هنا يوما-
 ففهمت
 أن خلاصة الحياة
 في
أن تجد الله...

 

وكيف نجد الله؟

تجد الله حين لا تجد سواه.

حين يشتدّ الظلام، وتخفت كل الأصوات، وتُغلق الأبواب في وجهك، وتُدار لك الظهور.

حين تقف وحيدًا، ضعيفًا، مهزومًا، لا تدري إلى أين تمضي، ولا كيف تُدير ما تبقى من أيامك.

حين تتكسر بوصلة الطريق، وتتساوى أمامك الجهات، وتشعر أنك على حافة كل شيء... حافة الفقد، الضياع، السقوط.في تلك اللحظة الدقيقة من الانكسار، ترى نورًا خافتًا ينبعث من بعيد. نور لم تلحظه من قبل، ربما لأنك كنت منشغلًا عنه، أو لأن بصيرتك لم تكن مهيأة لرؤيته.
الآن تراه... تراه حقًا.

شيءٌ بداخلك يخبرك أن هناك نجاتك. فتتحرك، ببطء، بثقل، بخطوات مرتجفة، لا يقين فيها، ولكن لا خيار سواها.

فلا طرق ممهدة أمامك، بل لا طرق على الإطلاق.

تمضي وأنت مليء بالظنون، ولكنك تُصغي لصوت داخلي، تتبعه لأول مرة...

فتصل.

تصل إلى الله.

فتشعر بأمان لم تعرفه من قبل، براحة وطمأنينة وسلام عميق...

لقد وصلت.

لكن البقاء يفرض عليك شيئًا لطالما هربت منهالتغيير.

أن تبقى مع الله، يعني أن تتغير.

وها أنت، رغم خوفك من التغيير، تبدأ في تتغير... لأنك لا تريد أن تعود حيث كنت .

نحن لا نجد الله في اللحظات السهلة، ولا في الأ]ام "العادية"، ولا في زحمة الانتصارات.

نجده فقط حين نفقد كل شيء... ونكتشف وحدتنا.

هذه هي الحقيقة، ورغم قبحها لا اخجل من كشف وجهها...

قد نحيا ونموت دون أن نجده...

وماذا يعني أن تجد الله؟ 

2025/05/25

لا أجيد الكتابة

أنا لا أُجيد الكتابة.
لا أملك فصاحة الكُتّاب،
ولا إبداع الشعراء،
ولا بلاغة الأدباء،
ولا حكمة الفلاسفة،
ولا دقّة المفكّرين.

لستُ بارعة في الأدب،
ولا خبيرة في فنّ التعبير.
ربما لا أُحسن صياغة الجمل،
وقد تهرب منّي المعاني،
ولا ألتزم بقواعد اللغة،
ولا قوانين الحب.

أنا فقط...
أتبع قلبي،
وأكتب ما تمليه عليّ مشاعري.
وحين يموت في داخلي الشعور،
تموت قدرتي على الكتابة.


أنا لا أُجيد الكتابة،
لكنني أُجيد حبّك...
أُجيد تخيّلك،
ورسمك،
وحفظك.
أُجيد وصفك كما تراك روحي،
وحبك بطريقتي،
الخاصة،
البسيطة.


ربما لا تليق كلماتي بك.
أنت تستحقّ نصوصًا تشبه ما كتبته غادة السمان،
وما غنّته أم كلثوم في توهّجها.

لكنّك جئت إلى عالمي...
حيث لا توجد موسيقى احترافية،
ولا بلاغة مصقولة،
بل امرأة تكتب ما تشعر،
بكلّ ما فيها من عفويّة.

عفويّة لا تُرضي النُخب،
ولا تشجّعها المدارس الأدبية،
لكنّها الحقيقة،
كما تراها مشاعري.


أكتبك كما يراك قلبي،
دون تنميق،
ولا تزييف،
ولا زخرفة.
حين يحضر الشعور،
تحضر الكلمات،
تخرج من مسامّ الإحساس،
كما يخرج الزفير من أعماق الرئة،
وكما تسقط أولى قطرات المطر،
فجأة،
 من غيمٍ لم يُعلن قدومه.


أكتبك بلغة لا تُحفَظ،
ولا تُدرَّس،
ولا تُنشَر،
بل تولَد...
عاريةً من التكلّف،
مثل طفلٍ جديد،
نقيّ من كلّ زيف.


ربما ،
لا تحمل كلماتي إيقاعًا شعريًا،
لكنني أراها حقيقيّة،
في زمنٍ امتلأ بالتلاعب،
ولغةٍ امتلأت بالإيحاء.

أحبّك دون رموز،
ولا ألغاز،
ولا رسائل مبطّنة.
وفي وقتٍ يُتقن فيه الجميع لعبة الحب،
أحبك كطفلةٍ تحبّ لأوّل مرّة،
بكامل سذاجتها،
وانبهارها،
بقلبٍ لا يزال يندهش من فكرة
أن أحدًا يُشبهك.


ربما لا أُجيد الحب كما يُنتظر،
ولا الكتابة كما يُفترض،
لكنني، في كلّ مرّة،
أحاول...
أحاول فقط
أن أُجيد كتابتك...
بحُب.

2025/05/21

I Still Remember - all of it

 

I Still Remember

I still remember.
Everything.
The faces,
The eyes that looked through me—
Some cold,
Some cruel,
Some pretending not to see.
I remember the stares that burned,
The words that stung,
The screams that filled rooms I wished I could escape.
I remember the silence after—
Worse, somehow, than the noise.

I remember the hits.
The ones you see coming,
And feel like death.
The way the pain cuts through you—
Not just to your skin,
But to your soul.
The weight of it—
Like you’re being crushed under something too heavy to survive.
I remember shrinking,
Becoming smaller,
Unseen,
I felt it.
Learning to predict anger like weather,
And learning how to survive it.

The floor shook.
The air felt heavy.

But I still remember my faith.
Strong.
Unshaken.
Present in every breath.
I didn’t just turn to God—
I walked with Him.
Spoke to Him,
Asked Him.
I clung to Him when nothing else made sense.
When my body hurt,
When my soul ached,
He was there.
Not as a rescue from the storm—
But as my shelter inside it.

I didn’t need signs to believe.
I just believed—
Fully, truly, sincerely.

And I still remember myself—
Not only broken,
But protective of the light still burning in me.
I didn’t speak of the pain.
Never revealed it,
But I lived through it.
Every. Day.

Escape felt like fantasy.
Giving up was easy to imagine.
But I didn’t.
I chose a harder path—
To stay soft in a world that tried to harden me.
To stay kind when cruelty was easier.
To keep moving without noise or rage—
Just movement, faith, and hope.

Some days, survival didn’t feel doable.
It felt like a slow burn.
But I showed up—
For myself.
For the version of me I hadn't met yet.
So I don’t fall,
Or stay on the floor for too long.
And for God, whom I loved deeply,
Who loved me even when I didn’t feel lovable.

I didn’t fight back with fists.
I fought with patience, kindness,
With the refusal to become what tried to destroy me.

And now, I’m proud.
Proud of how I held on—
Not just to life,
But to love.
To kindness.
Proud that I didn’t let bitterness bury me.
That I didn’t become what hurt me.
That I can still give with open hands,
Still feel with all my heart.

I’m proud of walking away,
Not with vengeance—
Nor with vision.
But with scars—
With lessons.
With a self that questions its worth…
And with a lot of uncertainty and doubt.

I didn’t leave untouched.
But I left untwisted.

So no...
I’m not writing to impress.
It’s very difficult to write,
And I might never publish or might delete it,
But
It’s a remembrance.

Of a path that was about to break me—
-Maybe it even did-,
But ended up building me.

Because through the pain,
I didn’t just survive—
I awakened.
I met parts of myself I never would’ve found in comfort.
I found strength I didn’t know was mine.
I learned to choose peace over all else.
To move when my feet were shaking,
To still feel, and to learn that emotions were part of being human.
To walk away—not in defeat, but so that I can live….

And most of all—
I felt God.
Not as an idea,
But as a presence.

I felt Him hold my hand
When no one else did.
I felt Him whisper strength into me
When I had none left.
He didn’t just protect me—
He led me
To something better.
To safety.
To myself.
He led me,
Took me, patted my heart.

Looking back, I see it now:
He didn’t just pull me out.
He walked me through.
And every step,
Every breath,
Every tear—
Brought me closer to who I was always meant to be.
Brought me closer to him...

So yes, I remember.
All of it.

But now,
I remember with gratitude.
Because what tried to destroy me
Became the doorway to my becoming.

And I didn’t walk through it alone.
God was with me—
Hand in hand,
Heart to heart.
And I love Him more than I could ever write.


2025/05/16

هل جربت يومًا؟

 


هل جربت يومًا؟

هل جربت أن تخترق ألسنة اللهب؟ أن تغوص فيها بجسدك وروحك، فلا تكون عليك بردًا وسلامًا كما كانت على إبراهيم، بل جحيمًا مشتعلًا يلتهمك من السطح حتى الأعماق؟ تحترق حتى تغدو رمادًا، تذروه الرياح... بقايا من شيء كان. لتفهم الحكمة التي تقول:
"من لم يذق مرارة الاحتراق، لن يعرف لذة النجاة."


هل وقفت يومًا على شاطئ بحر هادئ، لتكتشف أن سكونه كان خداعًا؟ أن استهانتك به أغرقتك في لججٍ لا ترحم؟ فسلمت نفسك لموجه، لم تقاومه، بل تركته يحملك ويتقاذفك حيث يشاء. استسلمت، لا خنوعًا، بل لأنك أدركت أن النجاة أحيانًا في التسليم لا في المقاومة.


هل جرّبت أن تقوى على نفسك لا على الآخرين؟ أن تكافحها، تسير عكس أهوائها، تهذّبها، تصمّ أذنيك عن صوتها الخفي؟ أن تقسو عليها لا قسوة ظالم، بل تربية العارف، لتروّضها طلبًا لرضا الخالق؟ فاكتشفت أن كل ما تشتهيه النفس قد يكون سبب ضلالها..


هل جرّبت الصبر؟ الصبر الحقيقي... على ما تكره، وعلى ما تحب، وعلى ما تخشى، وعلى ما لا تملك تغييره أو حتى فهمه؟ 

ففهمت أن الصبر هو درس الحياة الأهم


هل عشت الوهم وأنت مدرك أنه وهم؟ 

أقنعت نفسك بعكس الحقيقة لأن الواقع كان يتطلب منك قوة لا تملكها؟ 

فاخترت الظلام، لأن شعاع النور كان سيفقدك بصرك؟ رفضت المعرفة عن وعي... رحمةً بقلبك؟
هل عشت داخل فقاعة من هواء، تعزلك عن العالم، حتى لم تعد تميّز بين الداخل والخارج؟ وحين انفجرت، ارتطمت بأرض الواقع، فشعرت أن قلبك هو من ارتطم، وظننت أنها نهايتك؟
لتتذكر قول الله تعالى:
"يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبدَ لكم تسؤكم" (سورة المائدة)


هل جربت أن تحيا حياة لا تشبهك؟ تشعر بالغربة في عالمك، تدرك الصراع داخلك، ثم تتجاهله، ظنًا منك أنه شعور عابر؟ هل ابتعدت عن حقيقتك حتى انفصلت عنها، وأصبح الرجوع إليها يتطلّب شجاعة لم تعد تملكها؟ ففهمت معنى أن تموت وأنت لا تزال على قيد الحياة.


هل جربت أن تكون شجاعًا؟ أن تنسف حياة بأكملها؟ أن تقفز من علٍ دون ضمان للنجاة؟ أن تختار وتتحمّل ثمن اختيارك؟ أن تخسر وتتنازل وتفقد، فقط لأنك تريد أن تمارس  إنسانيتك؟ لتفهم أن أثمن الأشياء في الحياة لا تمنح بل تشترى بثمن باهظ.


والخلاصة؟... تدرك أن من فقد اهتدى…

ومن دفع ثمنًا باهظًا للخلاص والسلام والحرية وإيجاد الذات، لن يقبل بالعودة حيث كان، 

وان أهم الدروس تأتي صعبة
وان من غرق واحترق لن يقترب من البحر ولا من النيران.
ومن ذاق طعم الموت، سيعرف قيمة الحياة ....

2025/05/06

الوعي

 كلما ازداد الإنسان وعيًا... هل يزداد حزنًا؟

قرأت كثيرًا أن ازدياد وعي الإنسان يقابله شعور أعمق بالحزن، وكأن هناك تناقضًا فطريًا بين الوعي والسعادة. يُقال إننا كلما فهمنا العالم أكثر، كلما ضعفت قدرتنا على أن نصنع السعادة بداخلنا. كأن الإدراك يجردنا من متعة الجهل.

لكنني أرى العكس تمامًا.


الحزن قد يكون مرحلة في بداية الوعي، لكنه ليس محطته "الأخيرة.


أؤمن أن التعمق في فهم الواقع، ونزع طبقات الزيف عنه، ورؤيته بحجمه الطبيعي، لا يؤدي إلى الحزن بل إلى التحرر منه. فالحزن - في كثير من الأحيان - لا ينبع من كثرة الإدراك، بل من قلته، من تضخيم ما لا يستحق، ومن إسقاط مشاعرنا على كونٍ لم يُصمم ليناسب أهواءنا.

الكون لا يحثنا على الحزن، بل يدعونا في كل لحظة إلى "التقبل". والتقبل نقيض الحزن، بل هو البوابة إلى السلام الداخلي 

. كلما تقبلنا ما هو كائن، ازددنا رضا والرضا في رأيي هو المرادف الوحيد للسعادة

.

يقولون إن الوعي يجعلنا نرى الحقيقة فترفضها أرواحنا، وهذا الرفض يولّد الحزن. لكنني أرى أن جوهر الوعي هو التقبل، لا الرفض. ليس تقبلاً سلبيًا، بل وعيًا بالحقائق كما هي، حتى وإن بدت مؤلمة، والإقرار بها كجزء من قوانين الحياة. هذا هو الوعي الذي افهمه .

حتى على الصعيد النفسي، حين نصل إلى مرحلة من الوعي نرى فيها أنفسنا كما هي، بعيوبنا ومواطن ضعفنا، لا نحزن، بل نتقبل. نحاول تغيير ما يمكن تغييره، ونسلّم بما لا يمكن تغييره دون أن نتألم بسببه.

أن تفهم الحياة، أن تتعمق فيها، لا يعني أن تكون أكثر حزنًا، بل أن تكون أكثر تقبلاً وتسليما ورضًا. ومن ثم، حتى إن لم تعش سعادة  مطلقة، فإن الحزن لن يجد -بسهولة- طريقه إلى قلبك

لانه ادرك الدنيا اصبح واعي بقوانينها وتقلباتها وحجمها…

.

هذا هو رأيي. وربما أحتاج إلى مزيد من التجارب لأفهم أكثر. ربما لم أصل بعد إلى الوعي والإدراك الذي يتحدث عنه أولئك الذين يربطونه بالحزن،


الخلاصة إذا؟ الوعي الحقيقي لا يورث الحزن، بل يولد التقبل،

 التقبل ... قد يكون -في رأيي- هو اساس الوعي…

البحر والسماء


السماء والبحر يتشابهان في الصمت، وفي العمق، وفي الغموض. يتشابهان في البُعد، وفي الشعور، كالزبد الأبيض تسكن الغيوم السماء، وكما يلامسنا الرمل، يلامسنا المطر حين يذوب. حتى الشمس والقمر، يظهران على سطح البحر كما يظهران في وجه السماء… كأن مرآة غير مرئية تتوسطهما، تعكس صورة الآخر، فيمتزج البحر بالسماء، ويشبهها. 

ورغم هذا التشابه، يبقى التباين ظاهرًا… 

البحر يتحرّك، لا يسكن، لا يتوقّف… وإن هدأت الدنيا من حوله، هو لا يهدأ. لا يعرف كيف يسكن أو يستكين، وحين تغلبه المشاعر، يتراجع بذكاء ، وحين يعجز عن كبتها، تمتد مياهه إلى الشواطئ…دون أن تبوح بما بداخله …ورغم جرأته، إلا أنه يخفي ما يبطن. يضمر الكثير، ويظهر القليل جدا... أعماقه تحجب من الأسرار بقدر ما يحمل في جوفه من المياه.

مغرور هو البحر، ظاهره الكبرياء، يعشق أن تتوجه الأنظار نحوه، أن تُعجب به العيون، وأن تلامسه القلوب، ينظر إلى العالم بزهو..وفخر


.... أما السماء، فبسيطة… هادئة. تحجب مشاعرها، تخفيها. ورغم صمتها، هي الأكثر شعورًا، تخفي أحاسيسها عن الكون كله، وفي جوفها تتصادم الغيوم، تدور حولها الأفلاك، يتعارك القمر مع الشمس في أعماقها ليغطي أحدهما الآخر. ومع ذلك، تبدو وكأنها لا ترى، ولا تسمع، ولا تشعر.

هي السماء، لا تملك كبرياء البحر، ولا غروره...


 ورغم أن السماء والبحر يتشابهان ورغم ما في أعماقهما من اختلاف... إلا أن حين خُلق الكون، بلغت السماء مكانها، وبقي البحر في موقعه، بينهما مساحة هائلة... بينهما فراغ لا نعرف سره ولكنه يجعل من لقائهما شئ محال... فحتى نهاية الخلق… لن يبلغا بعضهما. لن يقتربا... لحكمة قد لا ندركها، ولكن… قد يكون المغزى؛ أن بعض الجمال يكمن في البُعد، لا في اللقاء…

2025/05/01

قد تكون…ارحم مما نظن


ماذا لو لم نحصل على ما نريد؟

نغضب، نثور، وربما نشعر بأننا ظُلمنا، وبأن الدنيا بخستنا حقّنا. نحمّل الحياة والقدر مسؤولية خيبتنا، وقد نصل إلى كره الحياة نفسها. وكلما اشتدّت رغبتنا في ما لم نحصل عليه، ازدادت 

مشاعرنا اضطرامًا واحتجاجًا.


لكن، ماذا لو لم تأتِ الحياة بردّ واضح؟

لا "نعم"... ولا "لا". فقط صمت، وتأخير، وانتظار. نبقى في تلك المنطقة الرمادية، نُراوِح بين الأمل ونوشك على فقدانه.

وأعتقد أن منطقة الانتظار ليست بالسوء الذي تصوّرته يومًا. ليست قاتلة كما وصفتها، ولا تسلب منا الحياة كما كتبت. بل أحيانًا تكون يد القدر الرحيمة، تربّت على أكتافنا بحنوّ وتهمس: "اصبر."

الانتظار، في كثير من الأحيان، هو المعجزة التي تُطفئ حرارة التعلّق، وتُعدّنا نفسيًا لاحتمال الرفض. فإذا جاء، تقبّلناه بهدوء وعقل، بعدما خفّ وهج التوق، وتضاءلت حدّة الحاجة.

الانتظار... قد يكون نعمة.

يمهّدنا داخليًا لما هو قادم. 

فلو جاء الرفض سريعًا، لربما حطّمنا.

أما الانتظار، فهو أشبه بنظرة أمٍّ حنون، تقول لابنها: "اصبر" دون أن تعده بشيء، لكنها تؤمن – أو تأمل – أن الزمن كفيل بتغيير الرغبات، أو على الأقل تخفيفها

.

لكن... ماذا لو لم تختفِ الرغبة؟

ماذا لو لم تخفّ، بل ازدادت، وتعمّقت، بل وأدركنا مع الوقت أننا نحتاج ما نريد أكثر من ذي قبل؟

ماذا لو تحوّل الانتظار من يدٍ حانية إلى يدٍ تخنقنا بصمتها؟

ماذا لو أصبح أشبه بماءٍ يُسكب على نار التوق، لا ليُطفئها، بل ليجعلها تغلي أكثر؟

كلّ يومٍ لا نحصل فيه على ما نريد، تزداد الرغبة في داخلنا... وكأننا نعيش قانونًا خفيًّا من قوانين النفس: "كل مرفوض مرغوب، وكل بعيد أكثر إغراء.

"

فما الخلاصة إذًا؟

ربما لا توجد خلاصة.
أو..
لعلّ الصمت الذي نخشاه، هو رحمة لا نفهمها بعد.
…قد تكون الحياة، رغم كل شيء، أرحم مما نظن.