حين يتجلى السكون التام، تتسلل صورتك إلى ذهني كما يتسلل الضوء بين شقوق باب خشبي، أو كما يتسرب شعاع الشمس الذهبي عبر ستارة شاحبة في ساعات الصباح الأولى، ليوقظ النيام. تظهر لي صورتك خفيفة، مهتزة، ضبابية، لكنها تحمل تأثيرًا قويًا، فتوقظ بداخلي مشاعر كانت تحاول الغفوة منذ زمن.
يصبح شعوري بك جليًا واضحًا، فيملأ فراغات روحي ويبهج قلبي. يتبادر إلى ذهني تساؤل: كيف للخيال أن يؤثر على الواقع؟
أترك كل شيء خلفي، أستسلم لأفكاري ومشاعري. أمسِك بقلمي وأكتب، لا إليك، ولكن عنك.
وكعادتي، لا أعرف ماذا سأكتب، ولا ما سيخرج على الورق… ما سأبوح به وأي مشاعر سأجهر بها. فالكتابة بالنسبة لي فعل تلقائي بحت، عشوائي، تتحكم فيه مشاعري بالدرجة الأولى.
تتلبسني الشجاعة…
أفتح القلم، أضع رأسه فوق الورقة وأسلمه نفسي، ليكتشف خبايا روحي وما أسررت، أتركه يكتب دون قيود أو محاذير… أو ترتيب…
ويكتب..
في قلب كل منا فراغًا لن يشغله سوى شخص واحد، شخص دون غيره. قد نسافر بعيدًا، نجوب العالم. قد نقترب من أشخاص ونبتعد عن آخرين… قد نظن أننا سنستطيع ملأه بالأشياء والممتلكات المادية، ولكننا ننتهي إلى الحقيقة المؤكدة: هناك شخص واحد فقط، هو من يستطيع ملأ هذا الفراغ. شخص لن تتوقعه، لن تنتظره، ولن تبحث عنه، ولكنك ستجده فجأة وسط زحام الأيام وازدحام الوجوه...
ستتفاجأ عند لقائه، ويهتز كيانك. ستجد قلبك ينشده إليه، ونفسك تنجذب إليه، وعقلك سيشعر بأنه القطعة المفقودة التي تكتمل بها حياتك. ستجده، ربما عندما تكون قد فقدت إيمانك بالحب وأوشكت أن تفقد شعورك بالحياة، حين تكون مشاعرك قد فترت. عندها، ستلتقيه في أدق لحظات حياتك، وعلى إثر هذا اللقاء الصادم، لن تصمد... ستتغير.
ستشعر وكأنه يعيد بعثك من جديد، وكأنك لم تختبر الحياة من قبل، لم تعرفها، لم تعشها... رغم أنك حييت طويلاً وكنت تظن حتى هذه اللحظة أنك تعرف الدنيا عن ظهر غيب!
وأنا… لا أعرف كيف صادفتك، ولكن -يهيئ لي- أنني أفهم "لماذا". جئتني بعدما كنت قد "تناسيت" شغفي وأحلامي، وفقدت بوصلة حياتي. جئتني في الوقت الضائع والزمن الثابت، أيام تعاش فقط لتُعاش، وأحلام تندثر تحت وطأة التعود والحياة...
كنت في قمة استسلامي، ليس الاستسلام النابع عن التسليم والشعور بالسلام، ولكن الاستسلام القاسي الذي يفتقد إلى معاني الإنسانية. جئتني عندما كنت أختبر سكرات الموت بينما كنت أظن أنني لا زلت على قيد الحياة.
جئتني كالصدمة الكهربائية التي ينعش بها الأطباء القلب الذي أوشك على فقدان الحياة. فرغم قسوة الصدمة وألمها، إلا أنها تكون في معظم الأوقات المحاولة الأخيرة قبل أن يفقد الشخص اتصاله بالحياة، وأنت كنت تلك الصدمة التي أعادت الحياة إليّ…
وبلغة أكثر دقة، كنت الضباب الذي تحدث عنه جبران خليل جبران، والذي سافر إليه طويلًا بعيدًا عن الواقع وعاش فيه. الضباب الذي كان كناية عن الحلم والخيال.
في بعض الأحيان…
هناك من نلتقي بهم ليس لتجمعنا بهم الحياة، ولكن لكي يعيدونا إلى الحياة...
هنالك من يلتصقون بنا، بأرواحنا وأفكارنا ومشاعرنا وتفاصيلنا، دون أن يقتربوا من عالمنا.
هنالك من هم كالضباب يسكنون سماءنا ولكن لا تتسع لهم أرضنا.
هناك من يستوطنون أفئدتنا دون الدخول إلى حيز واقعنا.
ورغم أنك كنت في واقعي: ساكن "الضباب" أو الخيال، إلا أنك كنت بتأثيرك... حقيقة بحجم الأرض وبحجم الحياة!
———
No comments:
Post a Comment