لا أعلم إن كان على كل إنسان، في رحلته عبر الحياة، أن يمر بجميع أشكال الفقد:
فقد الموت، فقد الوطن، فقد الحبيب، فقد الأمان، فقد الذات، فقد الطريق...
لكن ما أعلمه يقينًا، أن الفقد ليس لحظة عابرة،
بل كائن زمني، يظهر حين يشاء، لا حين تشاء أنت،
يأتي دون موعد، لا يستأذن...
ويُطلّ عليك بوجهٍ لا يُنسى،
يجلس أمامك في صمتٍ ثقيل، يُحدّق بك عميقًا،
ثم يتكلم، ليبقى صدى صوته يتردد في أذنك ما بقيت.
الفقد هو درس تُجبرك الحياة على حضوره حين يحين موعد النضج،
وحين تملك من التجربة ما يكفي لدفع "ثمن" الإدراك،
فيأتي ليغيّر نظرتك للحياة… ولذاتك.
يُسقط عنك قشور الوهم،
يربكك ليربيك،
ويُريك الحياة كما هي:
هشّة، متقلبة، لا تُمتلك…
ومع ذلك، تستحق أن نُقبل عليها، أن نسعى لها، أن نمتن لوجودنا فيها…
يجب أن نعيشها، قبل أن نفقدها أو نفقد كل ما فيها.
الفقد لا يعلّمك التفاؤل،
ولا يعدك بأن الغد سيكون أرحم أو أفضل من اليوم،
لكنه يُصالحك مع حقيقة أن كل شيء مؤقت، زائل،
وأنك، رغم كل شيء، قادر على أن تكمل الطريق،
قادر على أن تُحب، أن تُحسن، أن تستمر،
وأن كل ما عليك فعله هو أن تعيش اللحظة…
لأنها وحدها المضمونة، وكل ما عداها احتمال.
الفقد وحده، هو ما يُنضجك قبل أوانك،
يضخّ في روحك عمرًا فوق عمرك،
وفي سنينك وعيًا فوق السنين،
وفي عقلك حكمة،
وفي قلبك الكثير من التقبّل والرحمة،
ويزرع في نفسك اليقين...
الفقد هو من يُخفض صوت التوقعات داخلك،
ويُسكت ضجيج الماديات،
ويرفع صوت الامتنان لكل ما هو بسيط وحقيقي:
ضحكة، لقاء، كوب قهوة، لمسة يد، رسالة صباحية...
أشياء صغيرة كنت تمرّ عليها دون أن تلتفت إليها،
تُصبح فجأة أشياء تخشى أن تفقدها، لأنها باتت تعني الحياة.
الفقد لا يُقصيك عن الحياة…
بل يُعيدك إليها، لكن من زاوية أخرى.
يُعلّمك كيف تحيا دون تَعلّق،
كيف تتحرّر،
كيف تُحب دون مقابل،
كيف تعي قيمة كل لحظة،
كيف تصدق،
كيف لا تضمن شيئًا،
كيف ترى الأشياء كما هي، وتتقبّلها دون أن تتمنى تغييرها.
يُعلّمك الاعتدال، والصدق، والوعي،
ويمنحك النضج… والرضا،
ويُخرج منك إنسانًا أفضل مما كنت،
إنسانًا أكثر إنسانية.
No comments:
Post a Comment