2025/04/26

هروب وانتماء


ألقت بجسدها على العشب الأخضر البارد، الندي الذي ما زال يحتفظ برطوبة الماء...
استلقت، تاركة نفسها تغوص في الإحساس بالأرض والطبيعة والبساطة.
في تلك اللحظة، شعرت وكأن الدنيا قد دخلت في حالة استسلام:
السماء في سكون، والأرض بخضرتها ويبسها هادئة،
لا يتحرك منها شيء سوى بأمر الهواء،
تحركات تصنع تناغمًا بين الأرض السماء، تناغمًا يلامس روحها،
ويتّسق مع هدوء الليل.


تسلل الهدوء الخارجي إلى داخلها، فصمتت أفكارها وأسئلتها، بينما أصبحت تشعر بمشاعرها وكأنها أصبحت في تلك اللحظة أكثر وضوحًا.


استسلمت... أغمضت عينيها ببطء، تنفست بعمق،
ثم فتحتهما لتجد السماء أمامها، والقمر يطالعها.
فشعرت وكأنها أخيرًا تنتمي…
إلى الأرض، إلى السماء، إلى الصمت الذي يحيطها.

تأملت في لغة السكون،

وكيف أنها أبلغ اللغات.

ورغم صمت أفكارها، والصمت الذي يحيطها، إلا أنها كانت في أعلى درجات الشعور…

فقد تحمل لحظة صمت مشاعر لا تضاهي ما يمكن أن تأتي به اللغة من حروف... فالشعور في المجمل

هو أصدق ما نختبره...


عادت لتشعر بالأرض من تحتها... ملمس الزرع وبرودة الماء، بينما علقت عينيها على السماء وتأملت ما فيها من رحابة وسعة وصفاء يشجعان على الهروب إليها... ورغم أنها كانت تشعر للتو بانتمائها إلى الأرض، إلا أنها... تمنت لو في إمكانها أن تغادر حيث السماء...

أغمضت عينيها من جديد...


وفجأة ظهرت
أمامها ورقة مكتوبة ربما تحاكي ما بداخلها من مشاعر...
فأخذت تقرأها...


"تظن أن العالم يعنيني، يشغلني، يؤرقني،
وأنني أفني وقتي وتفكيري فيه...
ولا تدري أنك وحدك، وحدك من يهمني.
روحي لا تنتمي لهذا العالم... بل إليك.
أبحث عنك، لا عنهم.
أفكر فيك، لا فيهم.
أشتاق إليك، لا إلى الدنيا.
أنا، بفكري، وعقلي، ومشاعري، وقلبي...
لا ننتمي إلا إليك.
أما العالم، بكل ما فيه من تفاصيل وأصوات وأشخاص وتناقضات وسطحية...
لا يعنيني...
ليس هروبًا من الواقع، ولا زهدًا فيه، ولا كرهًا له...
بل لأن في حبك ما يُشبعني،
ويُغنيني عن كل شيء آخر.
فيك أجد وجهتي،
بوصلة تقودني إلى ذاتي،
حب لا يبعدني عن الواقع،
بل يعيدني إليه...
أعيش فيه بصورة أصدق،
حب لا يحجب الحقيقة، بل يكشفها كوجه الشمس.
لا يُقصيني عن الدنيا، بل يصالحني عليها.
وبه... أستغني عن الدنيا،
فإن وجدت فيها ما وجدت، تقبلتها...
لأن لدي مستقرًا آخر، أكثر صدقًا، وسعة، وحنانًا.
مستقرًّا يشبهني...

هو ذاك الحب.
ذلك الحب
الذي نجد فيه خلاصنا، وطمأنينتنا، وراحتنا.
شعور يلامسنا برقة، كما يد لطيفة تطبطب علينا… تطمئننا،
شعورًا يشبه النوم على عشب أخضر مبلول وسط الليل...
حب يحدّثنا بلغة الصمت،
ويصغي دون أن نبوح... فيفهم.
يشرح، وينصح، ويحتوي.
نشعر به في كل لحظة...
يغمرنا، يلفّنا، ويتسلّل إلى كل ذرة فينا... فيملؤنا
ويلامس أعمق شعور بداخلنا،
وينسكب على قلبنا كماء بارد في صباح قائظ...
فيريح أفئدتنا.
هو حب...
يعيدنا إلى الحياة،
حتى بعد أن كنا قد هربنا منها.
لا يتكئ على منطق، ولا يقف على أرض العقل،
ومع ذلك، فهو أصدق من العقل والمنطق.
حب يشبه الإحساس في رقّته،
ويشبه العقل في حكمته،
ويشبه نفسه في عمقه وصدقه.
يشبه الكون في لحظة سكونه واستسلامه.
حب، وكما قال نزار قباني: "يعادل الدنيا."…


فتحت عينيها...
اختفت الورقة فجأة، كما ظهرت، ولكن شعورها لم يختفِ.


بينما كانت عيناها معلقتين في السماء، تساءلت في صمت:
كيف
 نهرب من الأرض إلى الحب، فيعيدنا الحب إلى الأرض؟


No comments:

Post a Comment