2025/04/29

رحلة…موت للحياة ام موت للموت؟

هل يتطلّب إيجاد الذات المرور بالكثير من المصاعب؟ هل هي رحلة شاقّة نفسيًا وروحيًا؟
ككل شيء ذي قيمة في هذه الحياة، لا نصل إليه إلا بعد جهد وعناء، وبعد الكثير من المحاولات. نبحث عن السعادة، ونظن أن الطريق إليها معروف أو محدد، لكننا لا ننتبه إلى أن هذا الطريق ليس كما نتوقع، ولا كما نتمنى…

السعادة لا تكمن في ما تربّينا عليه، ولا فيما أخذناه كمسلمات، ولا في ما سمعناه في أطوار البلوغ. ليست في ما رأيناه حولنا، ولا في تجارب الآخرين، ولا في الطريقة التي يعيشون بها. ليست في العمل، ولا المال، ولا حتى في الأشخاص.


هي رحلة يجب أن تمشي فيها لتكتشفها….
تبدأ بفقد، وتنتهي بموت... لكنها تقودك إلى الحياة. 
إنها رحلتك نحو ذاتك الحقيقية. لا أحد يخبرك أن السعادة تمر أولًا باكتشاف "روحك"، وهذا التعبير ليس مجازيًا، بل حقيقي وقاسٍ إلى حد كبير.

في حياتنا نركض نحو أهداف كثيرة، نُعلّق آمالًا مختلفة، ونظن أن الوصول إليها سيمنحنا السعادة. لكننا، في نهاية كل طريق، لا نقنع ولا تشبع أرواحنا. نشعر أن الوجهة التي وصلنا إليها ليست ما كنا نبحث عنه، لم تطفئ رغبة الوصول بداخلنا...وأن هناك شيئًا آخر نفتقده... لا نعرفه....

ثم، في لحظة ما — ولا تأتي عن طريق الصدفة — بعد أن نصبر، ونتحمّل، ونتساءل، ونحب بصدق... في تلك اللحظة، تبدأ رحلتنا. نظنها في البداية قاسية، تفوق قدرتنا على التحمّل، طريقًا وعرًا لا طاقة لنا به.لن نستطع المضي فيه...
 لكن، كما يقول جلال الدين الرومي:
"عندما تقرر ان تبدء الرحلة سيظهر الطريق".

مع أول خطوة، يظهر الطريق. ومع كل خطوة، يظهر جزء منك لم يكن واضحًا من قبل. تتكشف روحك، وتصل إلى ذاتك الحقيقية. هناك، فقط هناك، تجد السلام النفسي والسعادة الحقيقية، لأنها نابعة من شعور داخلي عميق وصادق بالرضا.

ينتهي صراعك الداخلي، ويهدأ صراعك الخارجي. تبدأ برؤية الحياة كما هي، بحجمها الطبيعي دون تهويل أو تضخيم. ترى حتى الموت — الذي كان هاجسًا مخيفًا — كفكرة تتصالح معها. كأنك وصلت إلى ذروة الوعي، إلى مرحلة لا تحتاج فيها إلى اكتشاف المزيد، لأنك اكتشفت ما يكفيك....

لكن الوصول إلى هذا السلام ليس سهلًا. إنه أشبه بـ"موت"....بل هو الموت....
موتك، موت: أفكارك، قناعاتك، علاقاتك، حكاياتك التي عاشت طويلًا. يجب أن تنهيها، لتولد من جديد، بصورة أكثر صدقًا. وكأنك تسير في طريق طويل، تنظرحولك، كلما مشيت تركت خلفك أشياء ، أحيانًا برضا، وأحيانًا مُجبرًا، فقط لأنك لا تملك خيارًا آخر.

ثم، في لحظة ما، تتوقف عن النظر في كل الاتجاهات، وتُركّز فقط على الطريق أمامك. تمشي، وتكمل، حتى لا تعود تشعر بأنك تخسر شئ...ربما لأن لم يعد هنالك ما تخسره أو ربما لأن كل الأشياء فقدت قيمتها…
وهنا يحدث التحول، تفهم كل شيء:
سبب الطريق، وسبب الفقد، وسبب الرحلة....
تشعر بالخِفّة، بالحرية، وبالسعادة الحقيقية لأول مرة.
يصبح الطريق أوضح، وتصبح أنت أكثر وضوحًا لنفسك من أي وقت مضى.

لكن أصعب ما في هذه الرحلة هو "الموت" — أن تموت وأنت على قيد الحياة....
ليس مجازًا، بل حقيقة تعيشها بحذافيرها: روحك القديمة تموت، لتحيا أخرى مكانها. تشعر بشعور مختلف، تفكر بطريقة مختلفة، تبصر بعين مختلفة. تصبح شخصًا آخر. لا، بل تُصبح نفسك الحقيقية، بعد أن أزحت طبقات الزيف عنك.

تلمس قاعك، وتكتشف أن هناك روحًا بداخلك لم تكن تعرفها. تجاهلت وجودها طويلًا، لم تستشعرها، لم تفهم مغزى وجودها.
لكن الآن، تشعر بها، كما لو أنك تلمسها بأصابعك، من فرط ما هي ملتصقة بك..قريبة منك...

هنا يتحول الموت الى حياة....
نموت فنحيا...

لكننا نتحاشى هذه الرحلة...لأننا نخاف الموت، وننسى أننا حين نخاف من الموت، نخاف من الحياة.
نخاف أن نشعر، أن نرى الحقيقة أن نصدق، أن نتعرّى، أن نواجه أنفسنا ككائن حي أمام أعيننا. هذه الفكرة تُرعبنا. فنهرب... من الموت ومن الحياة...
نهرب بالانغماس في حياة مزيفة، بالتأقلم مع واقع لا يُشبهنا. مع تحاشي الغوص في أنفسنا، ف الابتعاد عن الاسئلة والتفكير... نتماهى مع الجمع، ونتبنى أفكارًا لا تعبّر عنا، ومع المعتقدات السائدة....فقط  لأننا خائفون من الرحلة.

حتى يأتي الموت الذي لم نختاره...يأتي الموت الحقيقي — الموت الذي خشيناه طوال الوقت — ليقتلع منا الحياة التي تمسكنا بها طويلا...فنكتشف في تلك اللحظة القاسية أننا لم نختبر الحياة من قبل... لم نلمس أرواحنا، ولم نعرف شيئا عن وجودها....
 ثم نموت بهدوء... أو ربما...نعود موتى كما كنا ونحن أحياء...

وهنا يكون الموت موت....

2025/04/28

هل جربت أن تشتاق؟


هل جربت أن تشتاق؟

ليس الشوق الذي تصفه النصوص الأدبية،
ولا الذي تغنى به الشعراء.
ليس ذلك اللفظي اللحظي
الذي يحضر ويغيب،
ليس شوقًا لصورةٍ أو فكرة أو حدث أو حديث...
بل
هو
حين
يتعمق بداخلك الشعور بالشجن،
حين تشتاق الروح،
فتسأل، تبحث،
ويتردد صدى نحيبها إليك،
تعصر أعماقك...
وتحاول بشتى الطرق
أن تخرج من بين مسام جسدك،
من بين أغوار نفسك،
أن تقتلع نفسها منك وتغادرك
لتنطلق نحوهم... وكأنها تنتمي إليهم لا إليك!
وحين تتجاهلها، تتمرد عليك...
فتعاقبك بالانطفاء… بالانزواء في جزء منك لا تعد تشعر به!


هل جربت أن تشتاق؟
أن تنظر إلى الوجوه،
فتراها فارغة،
كأنها لأصنامٍ متحركة،
كلها متشابهة، ينقصها الروح...


هل جربت أن تشتاق،
فتحاول أن تنغمس في حياتك،
أن تنشغل لتبعد صورتهم عنك،
لكنها لا تغيب.
بل تحضر في كل مشهد،
في كل حدث،
في كل حديث،
في كل لحظة صمت،
في كل محاولة للنوم،
في الحلم،
وفي اليقظة،
وفي كل ذكر،
وكل صلاة،
وكل عبادة،
وكل الحياة...


هل جربت أن تشتاق؟
ليس الاشتياق العادي،
بل ذلك الذي لا يجدي معه وقتٌ ولا زمنٌ ولا مكانٌ ولا حضورٌ ولا غياب.
شوقٌ لا يقل،
ولا يتغير مع الوقت...
يبقى بداخلك، فيصبح مع الأيام جزءًا منك...
تعتاد على وجوده،
بل ربما تحب حضوره،
فهو الشيء الوحيد الذي يربطك بهم...

هل جربت أن تشتاق؟

2025/04/26

هروب وانتماء


ألقت بجسدها على العشب الأخضر البارد، الندي الذي ما زال يحتفظ برطوبة الماء...
استلقت، تاركة نفسها تغوص في الإحساس بالأرض والطبيعة والبساطة.
في تلك اللحظة، شعرت وكأن الدنيا قد دخلت في حالة استسلام:
السماء في سكون، والأرض بخضرتها ويبسها هادئة،
لا يتحرك منها شيء سوى بأمر الهواء،
تحركات تصنع تناغمًا بين الأرض السماء، تناغمًا يلامس روحها،
ويتّسق مع هدوء الليل.


تسلل الهدوء الخارجي إلى داخلها، فصمتت أفكارها وأسئلتها، بينما أصبحت تشعر بمشاعرها وكأنها أصبحت في تلك اللحظة أكثر وضوحًا.


استسلمت... أغمضت عينيها ببطء، تنفست بعمق،
ثم فتحتهما لتجد السماء أمامها، والقمر يطالعها.
فشعرت وكأنها أخيرًا تنتمي…
إلى الأرض، إلى السماء، إلى الصمت الذي يحيطها.

تأملت في لغة السكون،

وكيف أنها أبلغ اللغات.

ورغم صمت أفكارها، والصمت الذي يحيطها، إلا أنها كانت في أعلى درجات الشعور…

فقد تحمل لحظة صمت مشاعر لا تضاهي ما يمكن أن تأتي به اللغة من حروف... فالشعور في المجمل

هو أصدق ما نختبره...


عادت لتشعر بالأرض من تحتها... ملمس الزرع وبرودة الماء، بينما علقت عينيها على السماء وتأملت ما فيها من رحابة وسعة وصفاء يشجعان على الهروب إليها... ورغم أنها كانت تشعر للتو بانتمائها إلى الأرض، إلا أنها... تمنت لو في إمكانها أن تغادر حيث السماء...

أغمضت عينيها من جديد...


وفجأة ظهرت
أمامها ورقة مكتوبة ربما تحاكي ما بداخلها من مشاعر...
فأخذت تقرأها...


"تظن أن العالم يعنيني، يشغلني، يؤرقني،
وأنني أفني وقتي وتفكيري فيه...
ولا تدري أنك وحدك، وحدك من يهمني.
روحي لا تنتمي لهذا العالم... بل إليك.
أبحث عنك، لا عنهم.
أفكر فيك، لا فيهم.
أشتاق إليك، لا إلى الدنيا.
أنا، بفكري، وعقلي، ومشاعري، وقلبي...
لا ننتمي إلا إليك.
أما العالم، بكل ما فيه من تفاصيل وأصوات وأشخاص وتناقضات وسطحية...
لا يعنيني...
ليس هروبًا من الواقع، ولا زهدًا فيه، ولا كرهًا له...
بل لأن في حبك ما يُشبعني،
ويُغنيني عن كل شيء آخر.
فيك أجد وجهتي،
بوصلة تقودني إلى ذاتي،
حب لا يبعدني عن الواقع،
بل يعيدني إليه...
أعيش فيه بصورة أصدق،
حب لا يحجب الحقيقة، بل يكشفها كوجه الشمس.
لا يُقصيني عن الدنيا، بل يصالحني عليها.
وبه... أستغني عن الدنيا،
فإن وجدت فيها ما وجدت، تقبلتها...
لأن لدي مستقرًا آخر، أكثر صدقًا، وسعة، وحنانًا.
مستقرًّا يشبهني...

هو ذاك الحب.
ذلك الحب
الذي نجد فيه خلاصنا، وطمأنينتنا، وراحتنا.
شعور يلامسنا برقة، كما يد لطيفة تطبطب علينا… تطمئننا،
شعورًا يشبه النوم على عشب أخضر مبلول وسط الليل...
حب يحدّثنا بلغة الصمت،
ويصغي دون أن نبوح... فيفهم.
يشرح، وينصح، ويحتوي.
نشعر به في كل لحظة...
يغمرنا، يلفّنا، ويتسلّل إلى كل ذرة فينا... فيملؤنا
ويلامس أعمق شعور بداخلنا،
وينسكب على قلبنا كماء بارد في صباح قائظ...
فيريح أفئدتنا.
هو حب...
يعيدنا إلى الحياة،
حتى بعد أن كنا قد هربنا منها.
لا يتكئ على منطق، ولا يقف على أرض العقل،
ومع ذلك، فهو أصدق من العقل والمنطق.
حب يشبه الإحساس في رقّته،
ويشبه العقل في حكمته،
ويشبه نفسه في عمقه وصدقه.
يشبه الكون في لحظة سكونه واستسلامه.
حب، وكما قال نزار قباني: "يعادل الدنيا."…


فتحت عينيها...
اختفت الورقة فجأة، كما ظهرت، ولكن شعورها لم يختفِ.


بينما كانت عيناها معلقتين في السماء، تساءلت في صمت:
كيف
 نهرب من الأرض إلى الحب، فيعيدنا الحب إلى الأرض؟


2025/04/23

لو كان بإمكاني أن أترك هذا العالم...
أن أغادر،
وأرحل حيثُ أنت.

 

أقترب،
أتقرب شيئًا فشيئًا،
حتى أذوب،
حتى أتسرّب إلى داخلك،
فأسكنك،
كما تسكن الروحُ الجسد.

 

تتنفّسني مع كلّ هواء،
تشعر بي في لحظات الشعور،
أكتسي نظرك،
أمتد في إحساسك،
أتلوّن في مزاجك،
أتسلل إلى فكرك،
وأستقر في عقلك...

فأغدو لحياتك: الحياة،
ولروحك: الروح،
ولنفسك: النفس...
فأكون فيك،
وتكون فيّ.

 

أترك العالم،
وأعيش في أعماقك،
أتوغّل في كل ما فيك،
أمنحك سكونًا لم تعرفه،
وأمرّ على كل ذرّة منك،
أطبع عليها أثر حب،
بصمة عشق...

أغمرك بالمشاعر،
حتى تعشق نفسك،
وتعشق الحياة.

 

أذوب فيك،
كما تذوب قطرة عسل في ماء دافئ،
فيتغيّر مذاق العالم داخلك...

حتى أكون بكل ما في كل ما فيك...

 

وإن كان بإمكاني،
لكنت فعلت.

تسلّلت إليك،
وعشت،

2025/04/19

أقرر أن اكتب

 أقرر أن اكتب

ولكن، ماذا سيخرج من القلم؟

الكلمات ستظل كما هي، والجمل كما عهدتها.

قد تتغير الصياغات، لكن المعاني ثابتة.

المشاعر لا تتغير، لا مفر منها، ولا هرب.

سأتنقل بين أفكاري، أتحرر وأتشتت...

وعلى إثر الكتابة، ستتفاقم بداخلي الأحاسيس،

لن تهدأ، 
وستسيطر عليّ الأشواق، ولن تبرحني.

سأتجرد من عقلي وأتهور...

وأتحيز لك وأكتب، 

وربما أندم على ما كتبت.

قد ينجو القلب لفترة من مشاعره، لينفثها على الورق،

لكنها ستزداد... ولن تهدأ.

———————————

هل نختار ما نكتب ومن نكتب عنهم، أم أن الكلمات تسبقنا وتخرج كيفما شاءت على الورق؟

الحقيقة أننا نقرر ما نكتب، لكننا لا نقرر من يسيطر على أحاسيسنا بالكامل،

من يمسك بأفكارنا بين يديه...

من يحتل قلوبنا،

من يسكن أرواحنا...

فينعكس على واقعنا.

من يتجول في أعماقنا،

فيقع مع الحبر في كل مرة نمسك فيها القلم...

ورغم أننا نقرر ما نكتب، إلا أننا لا نقرر من نحب إلى درجة أن نكتب عنه.

———————-


وأنا أحب الكتابة عنك...

تستهويني،

أو ربما لم أعد أفلح في غيرها ...

أستمتع بوصف شعوري تجاهك،

أن تدغدغني المشاعر،

أن تتعبأ بداخلي،

وتفيض

إلى حد

لا يعد في استطاعتي

سوى أن أفرغها على الورق...


أحب أن أراك -بطريقتي الخاصة-،

أن أعطيك دور البطولة في كل القصص،

أن أخفي تفاصيلك وأحافظ على غموضك،

كأن تأخذ الجمل صفك،

فتتحايل علي لصالحك…

أحب أن أكسر غيابك بالكلمات،

وأبدد خجلي وصمتي بالكلمات.

أحب أن أوجدك رغم عنك في كتاباتي...

وأقرأ ما كتبت، لاستدعي في كل مرة شعوري بك...


وإن لم يكن لك في واقعي مكان،

يكفيني حضورك في سطوري

أن أحتفظ بك في مكاني الخاص جدًا جدًا

على الورق.

———————-


يقولون إن أكبر خيبة هي أن لا يقرأ لك من تكتب له...

لكنني أرفض هذه العبارة... أرفضها بشدة...

فنحن نكتب عنهم، لا لهم...

لا نكتب لكي يقرأوا، بل لكي نقرأهم نحن...

لنستحضرهم،

ونعاود زيارتهم في كل مرة...

نكتب 

لمصلحتنا أولًا...

فالكتابة هي التحرر من مشاعر أكبر من أن نبتلعها أو نتجاهلها...

حين نكتب عنهم، نبقيهم أحياء في قلوبنا وخواطرنا... وحياتنا.


———————

ويقولون أيضًا إن من يحبه الكاتب، لا يموت أبدًا...

لأن أثره سيبقى -الى الأبد- على الورق…

وأنا أقول وإن مات الكاتب لن يموت بداخله من ألهمه ليكتب…

2025/04/17

أتعرف شعور الحب...؟


أتعرف شعور الحب...؟
أن تنساب الطمأنينة إلى روحك،
تلامس أعماقك برفق،
فتشعر بالسكينة،
بالهدوء،
براحة لا متناهية،

وبسلامٍ يشبه سماء الغيب...

كأنك وصلت أخيرًا،

كأنك لم تَعُد مضطرًا للركض خلف شيء…
فذلك الشعور يغنيك عن ملاحقة الأحلام،
ويعفيك من البحث عن الحقيقة.

ذلك الإحساس...
يشبعك،
ويثريك...

ويمنحك امتلاءً لا تُفسّره الكلمات.

تبدأ برؤية الجمال حيث لم تره من قبل،
في كل ما تقع عليه عيناك...
تتغيّر نظرتك للحياة،
تصبح أعمق، ألطف، أكثر احتمالًا للعالم.

ترى الوجوه...،
وتشعر أنك تتّسع لها…تتقبلها على اختلافها
تفهم لغة الحياة،
تلك اللغة التي لا تسمعها،
بل تشعر بها،
ولا يفهمها إلا من أحب.

إحساسك يتغيّر،
بصيرتك تُضاء فجأة،
قلبك يرق،
وإدراكك يقوى،
وروحك تعود لتحيا من جديد...

أتعرف شعور الحب؟
أن تشعر بقلبك،
تشعر به حقًا،
وكأنك تسمعه لأول مرة...
أن يسكنك من تحب،
يغوص بداخلك،
ويستقر في أعماقك،
سعيدًا بك، هادئًا فيك.

أن تتحرر من الماضي،
من ذكرياته، وآلامه، وظلامه...
وأن لا تخشى المستقبل،
أن تعيش اللحظة،
تأنس بها،
وتطمئن لها...

أن تحب الحياة،
وترضى عن نفسك،
وأن تتمنى لو بإمكانك أن تعكس ما بداخلك على الكون بأسره،
أن تمسح على قلب كل عابر،
أن تملأ الدنيا دفئًا ورحمة،
وتترك في كل ركنٍ أثرًا من الحب 
الحب الذي يسكنك…

2025/04/15

أتعرف الهواء؟

أتعرف شعور الهواء اللطيف؟
ذاك النسيم المنعش،
الذي يحمل عبق الزهر،
ورائحة الأرض،
وهمس الأشجار،
وحديث الطيور،
وتنهيدة السماء.

هواءٌ لا يُرى،
يحاوطك من كل الجهات،
دون أن تلمسه،
ودون أن تلتقيه.

يأتي من بياض الغيم،
من أنقى جانبٍ في السماء،
يولد من رحم الفضاء،
ينزل فجأة...
يبدّد قيظ النهار،
ويؤنس قلبك وسط صمت الليل.

يتسلل من نافذةٍ ،
من شقِّ شباكٍ مفتوح،
من طريقٍ فسيحٍ لا أحد فيه سواك،
يمرّ بلطف،
يلامس وجهك،
ويترك أثره عليك...

ثم يرحل،
لكنّ الشعور به لا يرحل،
تبقى البرودة،
الرائحة،
والملمس…

نحن لا ننسى الهواء،
حين يداعب خصلات شعرنا بهدوء،
كأنّه يُخبرنا أنه هنا،

يتطاير الشعر،
يلامس العينين،
يقبل الشفتين،
ويحتضن الوجنتين…
فنعود إلى حواسّنا،
إلى ذواتنا،
يعود الينا الشعور بأننا نحيا...

أتعرف شعور الهواء؟
ذاك الذي لا يُرى… لكنه يُحَس،
يُلامسك دون أن تراه،
يذوب فيك…
ويختفي...
فلا تعد تستطيع أن تنساه

هو الحقيقة التي لا تُرى،
والمشاعر التي لا تُقال،
هو الشيء الذي يبقى… رغم أنه لا يبقى.

هو الهواء،
مرآة الحلم،
كناية عن السراب،
عن كل ما لا يمكن الإمساك به.

 

أتعرف الهواء؟
ذاك الذي نبحث عنه دون وعي،
ونفرح به دون تفسير،
ونشعر به دون أن نراه…
ونسعد يوجوده الغامض...

أتعرف الهواء؟
ثمة حب… يشبهه
لديه نفس النسمة،
اللمسة،
الشعور،
والخصائص

مروره لا يُنسى…