تحاول الهرب من أفكارها الكثيره المتضاربه المسيطره عليها، وأن تستمتع بما تبقى من الرحلة بدون المزيد من ضجيج العقل. تُنحي نظرها للأسفل قليلا وتنظر في ساعة يدها، متبقي ثلاث ساعات على الوصول، تشعر بالملل يتسرب اليها.
تلقي بنظرة سريعه حولها، يسود الهدوء على الطائره كما أنها ليست مشغوله بالكامل ولحسن الحظ خاليه من ضجيج الأطفال ونحيبهم المزعج.
تجلس بارتياح اكثر داخل كرسيها، دافعه ظهرها الى أقصى الخلف باسترخاء، بينما تعبث بخصلات شعرها الأسود المنسدل على خديها.
تلمح هاتفها ملقى على الكرسي الخالي بجانبها، تمسك به، تفتح ملف الصور وتقلب بإصبعها بين الصور ببطء.
في تلك الاثناء، تصب الشمس أشعتها عليها،فتغلق النافذة بدون تحويل نظرها عن الهاتف.
ولسبب ما…تذكرها أشعة الشمس بذلك اليوم الذي صارحها فيه بالحقيقة بعد سنوات من الانكار.
رغم معرفتها المسبقة، ويقينها التام "بتلك العلاقه" الا ان كان لاعترافه وقع الصدمة عليها، كانت من أكثر لحظات حياتها قسوة.
قد تكون مشاعر الذكرى جفت، ولكنها تركت بداخلها بؤره من الظلام لم يدخلها نور منذ ذلك اليوم، كسرت فيها شيئا من حب الحياة وأذهبت رونقها، لحظه تغيرت فيها الدنيا في عينيها.
المشكلة الحقيقة كانت في تعاملها معه…
هي اختارت ان تكتم مشاعر الرفض والخذلان والألم، فلم يصدر منها أي رد فعل صادق…بل أنها لم تقم بأي فعل من الأساس…
تعاملت مع الموقف الجلل بالكثير من البرود المصطنع، وكأن لا شئ حدث على الاطلاق!! بدت حينها في كامل الاتزان والثبات والنضوج، بينما كان هنالك بركان من الألم يثور بجنون في أعماقها!
كانت تحاول ان "ترأف به" في أكثر لحظات الضعف، ألا تتخلى بسهوله عن علاقتهما…مقتنعه انها ستستطيع -مع الأيام- أن تهبه تمام الصَّفْح ومنتهى النسيان.
ولكن حمم هذا البركان وناره القاتله احرقت روحها بالكامل…انطفئ الشغف في قلبها ونضبت مشاعرها اتجاهه واصبحت تعيش ما يشبه الحياه.
تعود لتلهي نفسها بالهاتف الممتلئ بالصور، كمحاوله للهرب من تفاصيل القصة -كما اعتادت أن تفعل-.
تظهر صورة لهم معا، وكأن القدر يأبى إلا أن يضعها اليوم في تلك المواجهه. تحدق النظر في الصورة بينما تعتصرها الحقيقة، تغمض عينيها لثانيتين تأخذ خلالهما نفسا عميقا وتتسائل: "كيف تتغير مشاعرنا من نقيض الى نقيض بهذا الشكل؟"
هي لم تستطع ، وان كانت قد بذلت جهد المحاوله، قلبها ومشاعرها تمردوا عليها ورفضوا أن يهبوها ما تريد من المغفرة الخالصة والتسامح التام.
فظلت تلك الصدمة وذلك الجرح حائلا بينهما كجمرة نار مشتعله لا يستطيعان الاقتراب منها او اخمادها، تركوها، متوقعين ان الزمن سيطفئها ولكنها ازدادت اشتعالا حتى احرقت علاقتهما بالكامل!
تغلق الهاتف سريعا ، هرباً من الذكريات التي اطلت من مكامنها دون رغبتها. تمسك بحقيبة يدها الممتلئه، تضع هاتفها هنالك وكأنها تخبئه ، تخبئ معه تفاصيل عالقه في وجدانها لا ترغب في المساس بها أو النبش فيها اكثر من ذلك.
تعثر على قلم ومفكره في قعر الشنطه، تنظر الى القلم مليا وتتذكر تلقائيا مقوله كانت قد قرأتها يوماً: "كيف يتعافى الذين لا يكتبون؟!"
تستشعر صدق الكلمات فلطالما كانت الكتابة الملاذ والملجأ في أصعب فترات حياتها.
تأتيها فجأه شجاعه، رغبه ،شغف وفكره للكتابة…لعلها تبدء بها أول خطواتها نحو التشافي، وتتخلص من كل تلك المشاعر المتراكمه بداخلها المهجوره لأعوام ، لعلها تستطيع بذلك أن تسامح بصدق وأن تتخطى وتتحرر من كافة تفاصيل القصة وأبطالها.
تفتح طاولة الطعام…تمسك بالقلم وتضع رأسه فوق الورقة…تكتب…ولكن…القلم لا يكتب…
تكرر المحاولة بدون الوصول إلى أي نتيجة مختلفه…
يبدو ان حبره قد جف…
تتاكد من استحالة الكتابه…
تحملق في الورقة البيضاء الفارغة بيأس…وتغلق المفكرة.
…
No comments:
Post a Comment