2015/05/25

ال26 (6)

واذا ذكرت، سأذكر الحب الذي قد كان لي دوما يضئ ويشرق."
وانتهت شهور البرد...خلص الشتاء، وهل الربيع، جاء موسم النسيان، تفتحت فيه من جديد...قلبها مورد، ونفسها متطوقة نحو كل جديد، ألمها الذي بدا فائرا في الأيام الأولى.. سكن...تخلصت اخيرا من بقاياه التي ظلت لفترة رابضة في أعماقها.

----
تضع قدمها اليمنى على حافة المصعد، تدخل بخطوة بطيئة مترددة، ترفع يديها وتضغط بيد مرتعشة على الرقم ال26.
 مع كل طابق يتصاعد فيه المصعد، تتصاعد معه أنفاسها،
 تتزايد دقات قلبها اضطرابا...
تمر على ذهنها تفاصيل الحكاية... كشريط سينمائي تستعيد رؤية كل الأحداث التي جمعتهما منذ عرفته وحتى اليوم...
كان أشبه بفيلم يفتقد للمنطق...وربما للواقعية...سلسلة من الأحداث التي شابها التناقض...قصة ملأت بالمفاجآت...والمفارقات الغريبة.
قصة ولدت في رحم خيالها وتغذت على أحلامها...
تتذكر اخر مرة جاءت فيها الى ذلك المكان، كان ذلك منذ زمن بعيد... كم تجري الأيام سريعا، أسرع مما ينبغي...في بعد الأحيان...

تصل...يفتح المصعد بابه...وتخرج منه مرتبكة...
تجد باب المكتب -كما توقعت-  نصف مفتوح.
تتقدم. تقف خلف الباب الزجاجي، تشرئب برأسها، تتفحص المكان جيدا،لتتأكد من عدم وجوده أو وجود أي من الموظفين بالداخل، 

ترتاح عندما لا ترى اثر لأحد.
تدفع الباب إلى الوراء قليلا...وتدخل
تمشي ببطء ،بخطى مترددة تتجه نحو مكتبه،

 تقع عيناها على أشيائه،أشيائة التي تعرفها جيدا...
لوحاته التي كانت قد حضرت طور تنفيذهم، شهدت مراحل عمله عليهم، بداية من ولادة الفكرة انتهائا بطباعتهم...
مكتبته،  التي  ساعدته في جمع محتوياتها، 
تظل لبضع دقائق واقفة تنظر،تستذكره...تتذكر حلاوة البدايات وجمال التفاصيل الصغيرة التي تثري الأمس...وتلون الماضي... 
 ثم تمد يدها بحذر وتأخذ
تتلمس أغراضه...تتلمسها أناملها بعناية فائقة، تمرر أصابعها عليهم برقة...

تعود سريعا لادراج الواقع، تفيق من شرودها، تتذكر سبب مجيئها الى هنا،
 فتفتح حقيبتها بسرعة، وتخرج منها بعض الأشياء، 
تضعهم بعناية فوق سطح مكتبه ، تنظر بارتياح اليهم وهم يتوسطوا مكتبه، 

ثم تدير ظهرها، وتفر خارجة،
راضية، مرتاحة...تذهب.
 بابتسامة....تزين وجهها تهرب...
تهرب قبل حضوره
----
الساعة العاشرة صباحا، يجلس أمام مكتبه بوجه مصفر...
يقلب بصره بين الأشياء التي وجدها في انتظاره... كتاب صغير، يعتليه مظرف  متوسط الحجم.
يفتح المظروف ببطء، لا دليل للمرسل، لا توقيع...أو عنوان...
يعثر بداخله على ورقة مطوية يخرجها، 
يجدها ورقة بيضاء مسطر عليها بخط ركيك

يقرأ

"صباح الخير،

يوما ما وعدتك بأن"أهديك" أول كتاباتي، ورغم أنك نقضت كل وعودك معي الا أنني اعتدت الاتزام بعهودي...لذلك أضع روايتي الأولى بين يديك... ستجد أنفاسك في سطوري وملامحك في حروفي...ستجد نفسك البطل الرئيسي في تلك الرواية وسيرضى غرورك...جملتك، جملتك كي لا يقال بأنني أحببت رجل عادي!

 أتدري...نحن لا نختار ما نكتبه أو من نكتب عنهم... وأنا لم أكتبك إلا لكي استخرجك من أعماقي...لألفظك من قلبي...فكما قالت أحلام "إننا نكتب الروايات لنقتل الأبطال لا غير، وننتهي من الأشخاص الذين أصبح وجودهم عبئا على حياتنا. فكلما كتبنا عنهم فرغنا منهم..وإمتلأنا بهواء نظيف.”

كتبتك لأن "الحب" الذي حملته جنينا في أحشائي... استحق أن يخرج للعلن، ويشهد الجميع على حقيقة وجوده...
كتبتك، لان الحب الذي عرفته كان كبير، أكبربكثير منا، أكبر من أن نتخلص منه بتلك البساطة...أو ندير ظهورنا له،أو نتبرأ منه  وننساه ونعتبره وكأنه شيئا لم يحدث....

انت اخترت يوما -بمنتهى ارادتك- وانت في كامل وعيك- ان تدخل حياة امرأة تكتب...وكان بدا عليك حينها أن تعرف أن امرأة تكتب ليست مثل الأخريات...لا تنسى ولا تُنسى بتلك السهولة،  لا يتم استبدالها باخرى...ولا يتم اعتبارها محطة "استراحة" في رحلة رجل...ليست للعبث -الرجولي-
امرأة تكتب، تكتب من تحب بصدق...وتخلد اسمه الى آخر العمر...تحفظ المشاعر وتحافظ عليها...لا تؤمن بموت "الحب" ولا تتخلى عن الحبيب بسهولة
فهي لا تعرف في الحب ...سوى الوفاء... ولا تدخل سوى القصص الكبيرة...

ولكن اذا قدر لها أن تحب رجل لا يقرأ...تكون الخيبة...الخيبة كبيرة... !

فاقرأني للمرة الأولى والاخيرة...ولن أعاود المرور من هنا...
---
دمت بخير، ودمت بذاكرة عطبة، ومشاعر متقلبة، وقلب لا يهوى سوى نفسه...دمت رجل المحطات الذي لا يستقر على محطة واحدة....
دمت في ذاكرتي كما كنت...رجل القلب الوحيد، الأهم...دمت في عمري، عابر عمر...
دامت قصتك مخلدة...ذكرى جميلة لحدث فريد،لحب قد كان...دُمت أنت في عيني كبير...دمت على قيد الحب وعلى قيد السعادة بدوني."
----

وضع الورقة، أمسك بالكتاب، تأمله، أخذ يحملق في اسمها الذي يتوسط  الغلاف،تأمل الاسم وكأنه يراها بتقاسيما تخرج من بين حروفه...
فتح الكتاب...
وقرأ أول جملة...

"أعرف اليوم بأن الكتب لا تولد إلا مع الخيبات.. خيبات القدر وحدها هي التي تدفعنا ﻷن نكتب...
 اهدي أول رواياتي الى ذلك...ذلك الذي اذاني الى حد الكتابة. "

-تمت-

No comments:

Post a Comment