2024/09/25

ورقة شجر... وفرصة ضائعة...

ورقة شجر... وفرصة ضائعة...


قد تحرضنا طبيعتنا الإنسانية على تأجيل أمانينا. نتردد، نماطل، نراهن على الوقت، وندخل في مساومات مع القدر. أحيانًا تبالغ عقولنا في تخيل العواقب. 

نخاف، نبتعد، ونحاول أن "نتجاهل"، ويمر الزمن حتى تأتي لحظة واقعية تُنذِر بالخطر، تخبرنا فيها "الحقيقة" بأن تلك الأمنية التي حفظناها في إحدى غرف القلب المغلقة، معتقدين أنها ستبقى للأبد، أصبح تحقيقها اليوم مرهونًا بفترة زمنية محدودة، وشارفت صلاحيتها على الانتهاء. إما أن نتركها "تفنى" أو نبذل جهدًا لإحيائها.


وتصبح تلك المدّة الزمنية القصيرة "مدّة الصلاحية" هي "فرصتنا الأخيرة" لتحقيق ما نتمنى أو للحفاظ على أمانينا.


 في تلك اللحظة، يتسرب الخوف إلى أرواحنا، فتتغير نظرتنا للأمور.

فكرة "الضياع" تجعلنا أكثر شجاعة وقدرة على المخاطرة والمجازفة. نجري لنسابق الزمن، قبل أن يسبقنا. نلحق بالوقت، نغتنم الحاضر، وتصبح لدقائق الساعة أهمية بالغة. كل ثانية تمر هي فرصة ضائعة، وكل دقيقة هي خطوة أقرب إلى النهاية أو إلى تحقيق ما نريد.


نتخذ أخطر القرارات التي اجتنبنا اتخاذها طويلاً. نتبع مشاعرنا ونسير بكامل كياننا نحو أمانينا. يتحول خوفنا من "خوف من" إلى "خوف على". في السابق، كنا نخاف من سلوك طريق نحو المجهول وتحقيق ما نتمنى، أما اليوم فأكثر ما نخشى هو "ضياع ما نتمنى".


وقد يكون هناك ترابط بين "الفرصة الأخيرة" و"ضمان الأشياء". نحن نستهين بما نضمن. فالأشياء المضمونة تفقد قيمتها تلقائيًا في نفوسنا. حتى أحلامنا، حين نظن أن أمامنا متسعًا من الوقت لتحقيقها، نتجاهلها.

ناقوس الخطر الحقيقي في حياتنا هو خوفنا من "ضياع الأشياء" أو عدم حصولنا عليها. فذلك الشعور أشبه بجرس إنذار يصدر إشارة إلى عقولنا لتفكر "بسرعة" وتقرر وتتصرف، وإلى مشاعرنا لتنتفض، وإلى قلوبنا لتنفعل. نقوم بأفعال قد تتخطى قدراتنا وتوقعاتنا ومعتقداتنا ومخاوفنا. بل إن طبيعتنا الإنسانية قد تتغير في تلك اللحظة، لنصبح، على سبيل المثال، أكثر شجاعة.

---------------------------


وقفت تنظر من النافذة الكبيرة إلى الأفق، سماء الصيف المزينة بالغيوم القطنية، زرقاء ببقع بيضاء مبهرة. كان اليوم لا يزال في بدايته، والشمس في طريقها نحو اكتمال الشروق. بتلقائية، صوبت نظرها للأسفل فلمحت شجرة كبيرة، تبدو عليها علامات الكبر في السن والحجم. تتدلى من إحدى أغصانها ورقة ضعيفة، متباينة اللون بين الخضار والصفار، ومن الواضح أنها أوشكت على السقوط. فالساعات القادمة ستشهد نهايتها وارتطامها بالأسفلت. وربما لو كان بإمكانها، لكانت حاولت التمسك أكثر بالغصن، خاصة وأن محاولة كهذه ستكون "فرصتها الأخيرة" للنجاة والبقاء.


اليوم ليس كغيره من أيام الأسبوع أو الشهر أو السنة، أو -على الأقل- بالنسبة لها. هو مفترق الطريق. ستتخذ فيه قرارها الأخير. وحين تغرب الشمس ويسود الظلام، وحين تسقط تلك الورقة من على الغصن، ستكون الفرصة الأخيره لها للقائه قد انتهت! 

لذلك، ستفعل كل ما بوسعها. اليوم ستكون أشجع وأكثر جرأة. لن تتردد، ولن تفكر في العواقب، ولن توازن الأمور بعقلانية، ولن تستمع إلى المنطق وتعاليمه، ولن تنتظر تدابير القدر. لن "تترقب" أي إشارات منه، ولن تنقب "فيما لو" أو "فيما قد". ستتخذ من "الحب" سببًا للتهور، ومن "الفرصة الأخيرة" رسالة قدرية لتحركها!


بدأت أشعة الشمس في الاحتداد، كأنها سهام ذهبية تخترق الغيوم البيضاء المنفوخة. تركت النافذة، وهربت من هذا الضوء القاسي الذي يكشف عورات الروح ومخاوفها. اتجهت نحو غرفتها، عشر ساعات تفصلها عن اللحظة الحقيقية، عشر ساعات لتجمع فيها شجاعتها.


الغريب أو المثير للسخرية هو أنه لم يكن هناك موعد من الأساس. لا اتفاق مسبق، لا موعد محدد، لا لقاء مرتب. كانت تريد أن تلتقي به "صدفة"، ليس لتتقاسم معه الحياة، بل كانت فقط تريد أن تتأكد من أنهم يتقاسمان نفس المشاعر والأفكار والأحاسيس. ربما كانت تريد أن تعود لتثق في نفسها من خلاله، تتأكد من أن شعورها لا يهذي، وإحساسها لا يكذب، وطريق الحب الذي تمشي عليه لن يضل. إذاً، اليوم فرصتها الأخيرة لتتأكد من "صدق إحساسها" و"حقيقة مشاعره".

----------

وانتهى اليوم، ومرت اللحظة المنتظرة، وضاعت الفرصة الاخيرة دون أن تلتقي به!
وعادت لتقف في نفس المكان الذي اتخذته في الصباح، قبالة النافذة الزجاجية. تنظر إلى الخارج.

غابت الشمس، وحل محلها القمر. ساد السواد والظلام، وحل الصمت -وربما اليأس-. النيام كثر، ووحدها "القلوب المتعبة، الممتلئة" ما زالت قيد وفاء وتفكير وسهد وقلق. لم يهب القدر تلك الأفئدة الراحة المرجوة.

وقفت تنظر إلى الخارج، هذه المرة لم تطالع السماء بل نظرت مباشرة إلى الأرض والى الشجرة العتيقة. وفجأة هب الهواء، فأخذ الغصن يتحرك. ظلت الورقة تحاول البقاء في نفس الموضع.

ولكن، ورغم حرارة الأجواء، ورغم الصيف، إلا أن الهواء اشتد. ورغم محاولاتها للاستفادة من فرصة البقاء الوحيدة، إلا أن ورقة الشجرة سقطت من على الغصن.


وقفت هناك، تتأمل الورقة الملقاة على الأرض، وأخذت تتحدث إلى نفسها وكأنها تكلم الورقة: "يكفيك شرف المحاولة. فحين تضيع الفرصة الأخيرة، لا ندم يضاهي ندمنا على عدم بذل الجهد الكافي للحصول على شيء تمنيناه. يكفينا شجاعة المحاولة!" 


ابتعدت من النافذة نحو غرفتها لتستريح، من اللهاث وراء الفرص الضائعة…


-تمت-


2024/09/22

غير مشروط…

بينما يميلُ أغلبُ الاختصاصيين النفسيين إلى نفي وجودِ الحبّ غير المشروط، مؤكدين أنّ لكلّ حبٍّ هدفاً واستمراره مرهونٌ بِمبدأِ الأخذِ والعطاء، يظلّ هناك ذلك الحبّ الاستثنائيّ الذي يتخطّى حدودَ المنطقِ والفهمِ، والطبيعة لِيُصبحَ أشبهَ بِالمعجزةِ التي انتهى زمانها وأونها...


يَسافرُ عبرَ القاراتِ والبلدانِ والطرقاتِ، لِيَعبرَ جميعَ الحواجزِ الكونيةِ والبحرية والبشريةِ، حاملاً روحَ إنسانٍ آخرَ تتخطّى كلّ الأقدارِ والأسبابِ والأشياءِ، لِتصلَ إليكَ.


وحينَ تصلُ، تُغيّرُ كلّ ما فيكَ، وتُبدّلُ تركيبتَكَ الإنسانيةَ من إنسانٍ إلى إنسانٍ مختلفٍ تماماً. في البداية، قد لا تفهمُ ما يحدثُ، وقد تُصابُ بالارتباكِ، والشك…لكن سرعانَ ما ستؤكد لك حواسك بأنه "حقيقة وليس وهم" فستُفتَحُ أحشاءُ قلبِكَ وأعماق روحك لِتستقبلَ بكلّ رحابةٍ هذا الحبّ الذي لم تكن تعرفُ شيئاً عن وجودِه.


ستتفاجأ من كلّ ما يحدثُ لكَ، لكن تلكَ القوةَ الروحيةَ الغامضة ستكونُ أكبرَ منكَ، ستُسْحَبُكَ كالمغناطيس، أو كالجاذبية الأرضيه...نحو رحلةٍ خيالية إلى السماء ، خالية من المنطق مليئة بالغرابة وطافحة بالصعوبة!


ستدرك بسببها الحقيقة: حقيقةُ نفسِكَ أولاً، ثمّ كلّ شيءٍ آخرَ حولَكَ وحقيقةِ الحياةِ، ستتغيرُ نظرتُكَ، ستنكشفُ بصيرتُكَ، ستزداد عاطفتك ، سيقوى حدسُكَ وستصبحُ بكل ما فيك أشجع وأقوة مما كنت!


ستتأكّدُ بأنّكَ قبلَ هذا الحدثِ "المفزعِ"،أو ربما "المفرحِ"... لم تعرفِ الحبّ يوماً قطّ، ولم تتذوق معنى الحياة…حتّى وإن كنتَ قد عشتَ عشراتِ التجارب المليئةَ بالشغفِ. جميعُها كانتْ طرقاتٍ تقودك إلى الحبّ الحقيقيّ، غير المشروط، الذي عرفتَهُ للتوّ وربما لن تختبرهُ فيما بعدُ.


عشْ تلك المشاعرَ، اسعد بها، اسمح لنفسك بأن تحيَا في رحابها، غُوصْ في أعماق بحارها بكاملِ كيانِكَ، وشعورك...أو حتى "في خيالك"

لا تخف...استسلم...تغيّرْ على اثرِها، لأنها قد تكون فرصتُكَ الوحيدةَ لتتنفس الحياة، ولتختبرَ حقيقةَ الدنيا والمغزى من وجودِك على الأرضِ!

مهما كان عمرُكَ، فأنتَ الآنَ لأولِ مرةٍ أصبح لعمرك عمر...أفقت من سباتك العميق...وأصبحت على قيدِ حياة!


هذهِ هي حكايةُ حبٍّ لا تفسر، وقد لا تفهمها بعض العقول، فلن يستوعبها الا من اختبر "بعض من تفاصيلها...
هو حبٌّ يتحدى العقول وكلّ التّوقعاتِ والنّظرياتِ والمسلمات الواقعية، ليُصبحَ دليلا على أنّ الحبّ اشبه بالمعجزات بل والخرافات، ولكن وحده قادر على تغييرِنا من الأعماق وتحويل مسارِ حياتِنا!

2024/09/19

البدايات والنهايات

مؤذية النهايات أليس كذلك؟

 ولكن هنالك بدايات أكثر قسوة،

 كتلك التي انتظرناها طويلا ولم تأت،

 كبداية طريق "غامض" هربنا من المضي فيه

 ففقدنا بوصلتنا

 كصعوبة الاختيار بين بدايتين لا نعرف أيهما الأصوب

 فلم نختار!

 كالوقوف عند مفترق طرق، وكبلنا عن المسير خوفنا من المجهول،

 كبداية حسبناها "الحياة" فوجدنا فيها "كل النهاية"...

 كبداية بلا نهاية!

 

متشابهة البدايات مع النهايات، أليس كذلك؟


 فرغم تناقضهما إلا أنهما يحملان نفس التفاصيل ونشعر اتجاههما بمشاعر متشابهة...

 نخشاهما، 

وفي كل مرة نهرب من أحدهما

 ننساق -لا إراديا- للآخر.

 تلقي بنا البداية في أحضان النهاية،

 وتأخذنا النهاية نحو البداية ….

 نظن أننا ننتهي ونحن نبدأ

 العبرة ليست بنقص البدايات ولا تمام النهايات

 العبرة في شجاعة الاستمرار

 والتأقلم مع البدايات والنهايات…

2024/09/03

الثبات

الثبات...

نخشى التغيير لاعتقادنا بأن الشعور بالأمان يستمد من "الثبات"…. 


ولكن، الثبات ليس دائما ايجابياً ...فثبات الفكر يؤدي إلى الجمود الفكري وثبات النمو يوقف التطور وثبات الرأي يولد التعصب وثبات المشاعر يخدر الحواس ويفقدنا الاحساس بالحياة ...وثبات العقل يولد الجهل... وثبات المكان يحد من الحرية، وثبات الحياة يؤدي إلى الموت!


من السهل تدمير الشيء الثابت، بينما يصعب التأثير في الشيء المتحرك. التغيير يمدنا "بالقوة" ويساعدنا لننمو ويهبنا الشعور بالحياة! وهو الضمان الوحيد للاستمرار. 

الكائنات الثابتة، مثل النباتات والشعاب المرجانية والرخويات والإسفنج، هي الأضعف والأكثر عرضة للخطر والأقل قيمة!


تذكر دائمًا أن الثبات يعني الوقوف ساكناً، وأن التعلق بالأشياء الثابتة هو مصدر المعاناة.