2024/01/23

رحلة إلى السماء ٩ -الشمس والقمر يجتمعان

وتأتي رسالة من طاقم الطائرة تنبئ ببدء عملية الهبوط…وتبين أن الوصول قد اقترب…


ها هما الآن ينتقلون إلى الواقع، ليتابعوا طريقهم معا على الأرض. بعدما كانوا قد اتخذوا مواقعهم في السماء…

ولو كان أمامها اختيار، كانت بالتأكيد ستختار أن يظلا في السماء…بعيدا عن قسوة الأرض وما تمليه على سكانها من قوانين وأحكام ومتطلبات وقواعد صارمة. 

فألم يعاقب الله آدم وحواء بنزولهم إلى الأرض؟


ولكن الحياة لم تهديها هذا الاختيار، لذلك…فلتتأقلم مع الواقع وتهيئ نفسها من الآن لكل ما قد وقد لا يحدث دون المبالغة في الخيال، فالحياة على الأرض تحتاج إلى ما تفتقده هي من واقعية…


هي تفهم جيدا معنى الهبوط، موقنة بصعوبة الحب على المستديرة…فعلى الأرض يدخل الحب عشرات الاختبارات التي يجب عليه أن يجتازها ليصمد وليستمر…ونادرا ما ننجح نحن في العبور به.


مادية الارض تحول المشاعر، من أحاسيس صادقة، نابعة من القلب، موضوعه من قبل الله، إلى مشاعر تتحكم فيها متطلبات، شروط، تطلعات رغبات… أحكام ومقارنات…

ليصبح بقاء تلك المشاعر من عدمه مرتبطا ارتباطا وثيقا بأسباب وضعناها نحن بمحض إرادة عقولنا…

فيفقد الحب بذلك أهم صفاته…وهو أن يكون "غير مشروط" …

يتشوه…فلا يعد حباً، بل يتحول إلى مشاعر أخرى…قد تصل في تطرفها إلى الكره (أو الاشمئزاز) وفي ذروتها إلى إلحاق أذى ساحق بقلوب آخرين.


دائما ما تكون بدايات الحب ساحره لانها لا زالت في الخيال ولم تهبط بعدا إلى الواقع…

وحين يصل إلى الارض؟

حينها فقط يعود الينا إدراكنا وتفكيرنا…

ويرجع العقل لموضع التشغيل…

وتبدء مراحل التهاون والتلاعب بالحب…

نتكبر عليه ظنا منا أننا امتلكنا من أحببنا …فنمنع ونغدق حيثما شئنا…

ثم نبحث عن طرق الاستفاده منه…فنتعامل معه بأنانية محضة، ونستخدمه في ملء فراغاتنا واحتياجاتنا النفسية…دون التفكير في الطرف الاخر…

نصل لمرحلة "الهوس به" خشية فقدانه، فنتعامل معه بالكثير من التحكم والعنف…

فتتغير طبيعته تماما…ينطفئ وهجه وتخمد ناره…يلقى حتفه مقتولا بين ضلوعنا…! حينها نقرر- غير اسفين- حذفه من حياتنا.

متناسون أننا بذلك سنقتلع اجزاء من روحنا من خيالنا وواقعنا من امانينا ومن توقعاتنا…اجزاء منا…فتصبح نفوسنا بعده ، اكثر تشوها وهشاشة ونفقد ثقتنا في الحب!


ولكن…السنا نحن من أخرجناه من فضائه؟ اقتلعناه من سمائه؟ اصطحبناه إلى الأرض حيث عبثنا به وأجرينا عليه تجاربنا ونفثنا فيه من سموم افكارنا فلم يحتمل "واقعنا"؟

مات الحب عندما ارتطم بالأرض، عندما سقط كالشهب من السماء. 

اذا…الحب هو ضحية الإنسان وليس العكس…


ورغم أن بدا على تفكيرها "المبالغة" في "النظرة السوداوية" إلا أنها كانت مبنية على تجارب قد عاشتها او صادفتها بالفعل…

لذلك كانت دائمة الهرب من الواقع….


بدأت الطائرة في النزول البطيء ،

أخذت تنظر من النافذة…لحسن الحظ ما زالت السماء تغطي على الأرض، فألقت على السماء نظرة الوداع الأخيرة…واغمضت عينيها في استرخاء.


اما هو، فجلس ينظر اليها بتمعن شديد وكأنه يراها لأول مرة...
كان يملؤها الحلم...وكأنها لا تحيا على الارض…حقيقة اصبح الان متيقن منها.

ورغم انه لم يكن يحب الخيال...ويحسبه مرادفاً للوهم، 

فهو شخص لا يقنعه سوى المنطق والواقع ،

الا أن خيالها لم يقلقه او يثير حفيظته، بل أنه رأى فيه فرصة لاستكشاف عالم موازٍ أعجبه واثار اهتمامه...

لم يرغب في اخراجها من عالمها...واصطحابها الى الأرض حيث يسكن هو ، بل أنه اختار ان يسافر الى خيالها ويحيا معها هنالك...دون التخلي عن الواقع والمنطق...

فكان فيه من الحكمة والعمليه ما كانت تفتقده هي...


هو كان يرى في اختلافهما فرصة ليس للاكتمال او ليكونوا نفس الشخص بل لكي يرى كل منهما الآخر على ما هو عليه وان يجدون في ذلك الاختلاف فرصة لإنجاز واكتمال كل منهما على حدَ…


شعرت بنظراته تتفحصها، ففتحت  عيناها ببطء ونظرت على يمينها فوجدته ينظر إليها مبتسما…ورغم أن أحد أسباب السفر كان محاولة الابتعاد عنه والهروب من حالة الحب التي تلبستها والذهاب في رحلة للتشافي من الماضي إلا أنها شعرت بامتنان بالغ لوجوده. بل انها تيقنت من ان حبه هو بداية الرحلة التي كانت في طريقها اليها…وأساسها فاطمأنت ،هدئت مخاوفها...


في تلك اللحظة تمنت بصدق أن تخيب ظنونها وأن يكون على الأرض متسع لحبهما كما كان في السماء…وأن يعبّرا بتلك المشاعر إلى خط نهاية الحياة…


 سمعت صوت محركات الطائرة تزداد صخبا…فنظرت من النافذة   لتجد السماء تتلون بألوان الغروب…

امتعضت من المشهد…فلطالما ربط عقلها بين غروب الشمس وبين فراق الاحبه…

 

-"يذكرني مشهد الغروب بولادة الحب...فهو الوقت الوحيد الذي تجتمع فيه الشمس مع القمر، اليس كذلك؟"


جاء صوته واضحا مفاجئا وخارقا لصمتهما وكأنه قرأ للتو افكارها ….

 

رغم ان نظرته لغروب الشمس كانت مختلفة عنها الا انها اتخذت منها فرصة لإعادة التفكير في المشهد، ولاول مرة تشعر بسعادة وارتياح جراء ذلك…بل انها اقتنعت بأن الشمس والقمر قد يلتقيا...والخيال والواقع قد يجتمعا وان جمال الكون في تناقضاته واختلافاته...!


ابتسمت وهي تستمع إلى ضجيج ارتطام عجلات الطائرة بالأرض...وذُهلت من كونها لم تعد تخشى هبوط الحب الى الواقع…

2024/01/09

رحلة إلى السماء - غيمة بيضاء


“حياتك حافلة، مليئة، كاملة، أو هكذا يخيل إليك، حتى يظهر فيها شخص يجعلك تدرك ما كنت تفتقده طوال هذا الوقت. مثل مرآة تعكس الغائب لا الحاضر، تريك الفراغ فى روحك، الفراغ الذى كنت تقاوم رؤيته.”


———-


وتعود إلى السماء…

تفتح النافذة من جديد، تلمح غيمة بيضاء كبيره تزين الفضاء…

يبدو أنها السبب في حجب أشعة الشمس عنها…تنظر اليها ملياً بامتنان بالغ وبالكثير من الحُب.

وبدون أن تشعر، تلمّع عيناها وترتسم على شفتيها ابتسامه.

——

وفجأة يُخيل اليها أنها تسمع صوتاً لا تدري مصدره -قد يكون صوت الغيمه- يقول:

"وقد تُصادفِ شخصاً ما…يكون تأثيره أعمق بكثير مما تتصور.

في البدايه، سيبدو مروره في حياتِك كعبور غيمة صيفيه لطيفه…

ولكن سرعان ما تنكشف الحقيقة…

لتجد أن تلك السحابه ،تشكلت، لإحداث عاصفه عارمة  داخل روحك.

فتنقلب -على اثرها-أعماقك رأسا على عقب…

تتخذ أولى خطواتك نحو طريق -لطالما- كنت تتحاشى المضي فيه. وكأن قوة خارقة تلبستك، لن تفهم مصدرها، ولكنها تمدّك بالقدرة على احداث التغيير المرجو ، والذي ظننت بأنه محاط بالكثير من المحاذير!

ستدقق النظر في ذاتك وكافة تفاصيل حياتك. سيعود الشغف إلى قلبك وسيدخل بريق نور ساطع إلى روحك…

وتعلن تصالحك مع الحياه…وكأنك لم تتذوق منها أي مراره…

قد تكون لحظة صحوة، ساقها القدر إليك

لتعود لنفسك…نفسك التي افتقدتها…"


يصمت الصوت

——

ترتسم علامات الذهول على وجهها…وتسبح الريبه في عينيها

تشعر بنبضات قلبها تتصارع…تأخذ تفرك يديها بارتباك…كمحاولة لتهدئة نفسها…


ثم تقرر أن تتحدث إلى تلك الغيمه أن تسألها، فيخرج صوتها مهزوز مرتبك:

"ولكن يُخشى من التغيير…فكيف يمكننا منع ذلك الشخص من الدخول إلى دُنيانا؟"


تسأل بسذاجه سؤال تعرف إجابته…كما ان "ذلك الشخص الذي تقصده" قد دخل بالفعل إلى حياتها…!

——-

تجيبها الغيمة:

"لا تستنزفي نفسك بالأسئلة،

انه القدر…لا يمكنك الهروب منه أو أن تتحاشيه، ولن تعلمي ماهية المنطق الى عند وصولك لخط النهاية…

في كل الأحوال ليس أمامك الكثير من الخيارات: اما قبول التغيير بكل ما سيأتي معه من مخاطر أو البقاء حيثُ كنتي بلا شغف أو حياه…

عليكي أن تختاري…."

——

"ولكن…" تقاطع الغيمه،

بينما يقف السؤال -الذي تراه الأهم- على طرف لسانها…ودون تفكير تنطق به…بصوت خافت ، لا يكاد يُسمع:

"وهل يبقى ذلك الشخص في حياتنا؟"


—-

تجيب الغيمه بشيء من الحدّه:

"صدقيني لن تُغير الاجابه شيئا. 

عليكِ فقط أن تتذكري احدى قوانين السماء: نحن الغيوم، نسكن الفضاء لفترة مؤقته ثم نتلاشى ، نعبُر ، نذهب…ولكننا لا نعود…

لا نعود بعدما نكون قد أحدثنا تأثيرنا المُقدر…."

يصمت الصوت

——

تنظر إلى السماء بعينين يملؤهما الذهول الطفولي والكثير من الحيرة بحثاً عن الغيمه…تقترب اكثر من النافذه، حتى يكاد وجهها يلتصق  بالزجاج البارد…

 

لا تجد ما تبحث عنه…


تتقلص عضلة قلبها، فمن منّا لا يكره فكرة الفراق ، خاصة إذا كانت بمن تعلقت به الروح؟

——-

تجلس في سكون تام…

وبينما كان قلبها يتألم من فكرة الفراق ، إلا انها كانت تَشعُر بأحاسيس جارفة من الامتنان والسعادة والرضا اتجاه تلك الغيمه التي مرت عليها -ذات صدفة- واحدثت تغيرات في سمائها واعادت اليها الشعور…